إضافة رد
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
#1  
غير مقروء 01-05-2018, 04:28 AM
مصطفى الحاج حسين
لحن جديد
مصطفى الحاج حسين غير متواجد حالياً
Syria     Male
اوسمتي
بوح الصورة  قداسة نون  شدو قافية  شدو قافية 
لوني المفضل Azure
 رقم العضوية : 925
 تاريخ التسجيل : Oct 2017
 فترة الأقامة : 732 يوم
 أخر زيارة : 02-15-2018 (08:55 AM)
 المشاركات : 25 [ + ]
 التقييم : 10
 معدل التقييم : مصطفى الحاج حسين بداية الطريق للوصول
بيانات اضافيه [ + ]
آخر تواجد: 02-15-2018 08:55 AM
افتراضي رواية .. ( ملح السّراب )



رواية .. ( ملح السّراب )

( الفصل الأول )

( الحرمان )


الكاتب : مصطفى الحاج حسين .

تسلّق جدار المدرسة ، قفز إلى باحتها ،

ودخل صفّ ( سامح ) ، من النّافذةِ المكسورة ، وفي

الصّفّ كان بمفرده ، شعر بالفرحة تجتاحه ، جلس

على المقعد ، واضعاً يديه أمامه ، مستنداً على

المسند ، دار على المقاعد ، وجلس الجّلسة ذاتها ،

وجد قطعة ( طباشير ) ، فأسرع نحو السّبورة ، وبدأ

يرسم خطوطاً كثيرةً ، خطوطاً لا معنى لها ، فكثيراً

ما كان يسأل والديه ، عن سبب حرمانه وشقيقته

( مريم ) من المدرسة ، فتأتيه الأجوبة غير مقنعة .

والده يقول :

ـ نحن أسرة فقيرة ، والمدرسة مكلفة ،

وأنا كما تراني .. عاجز عن إشباع بطونكم .

ـ وكيف أدخل عمّي ( قدور ) أولاده

إلى المدرسة ، وهو فقير مثلك ؟!.

ـ عمّك لا يعرف عواقب الأمور ، غداً

ترى ، سوف يضطرّ إلى سحبهم ، حين يعجز

عن دفع النفقات .

ويتابع الأب كلامه ، كأنه يزفّ إليه

بشرى :

ـ غداً سأبعث بكَ إلى الشّيخ ( حمزة ) ،

ليحفّظكَ القرآن الكريم .. وهذا خير بألف

مرّة من المدرسة .

وتحاول أمّه جاهدة ، أن تقنعه لتخفّف عنه

حزنه :

ـ حفظ القرآن عند الشّيخ ( حمزة ) ،

سينفعك في الدّنيا والآخرة ، أمّا المدرسة

فلا تعلّمكَ إلّا كلمتي بابا وماما .

ومن شدّة تلهفه وإلحاحه ، فقد تقرّر

أخيراً ، ذهابه لعند الشّيخ ، ولقد اجبر أمّه ،

على خياطة صدّارة ، تشبه صدّارة

( سامح ) ، وعطفاً على بكائه المرّ ، اشترى

له أبوه محفظة جلدية ، ودفتراً صغيراً مثل

( سامح ) .

بات ليلته وهو في غاية السّعادة ، لم

يغمض له جفن ، كان يتحسّس صدّارته

التي ارتداها ، ومحفظته بمحتوياتها التي

تشاركه الاستلقاء في فراشه القطني . أمّا

أحلام اليقظة ، فقد بلغت أوجها في

مخيّلته ، الواسعة الخصوبة :

ـ سأتعلم .. مثل ( سامح ) ،

سأتحدّاه .. وأكتب على الجّدران اسمي ،

واسم ( مريم وسميرة ) وسأكتب بابا وماما

ودادا ، وسأحفظ الأرقام .. وأنا في الأصل

أعرف كتابة الرقم واحد ، تعلمته من

( سامح ) ، كلّ ما عليّ أن أمسك بالقلم ،

وأضغط بالقوة ، راسماً خطاً من الأعلى إلى

الأسفل ، وسأرسم قطتي أيضاً ، ودجاجات

جارتنا ، وحمار خالي ، وسيّارة رئيس

المخفر ، التي يخافها الجّميع .. والطّائرة

التي تطير كلّ يوم من فوق دارنا .. سأرسم

كلّ شيء يخطر لي ، القمر ، الشّمس ،

النّجوم ، والعصافير ، والكلاب ، الأشجار

العالية ..نعم سأفعل كلّ هذا ، لأنّ ( سامح )

ليس أفضل منّي .. فأنا أطول قامة ، وأقوى

منه ، عندما نتعارك .

وشعّت ابتسامته في الظّلام ، تقلّب

في فراشه .. متى سيأتي الصّباح ؟.. هكذا

كان يتساءل .. ثمّ أرسل نظرة إلى

( مريم ) النائمة ، وتحسّر من أجلها ، لقد

بكت طويلاً ، لأنّ والدها لم يشترِ لها

صدّارة ومحفظة ، وحسدَ نفسهُ لأنَّه ذكر ،

فقد قال لها أبوها ، بعد أن ضربها :

ـ يامقصوفة الرقبة أنتِ بنت .. ما

شأنكِ بالمدرسة ؟!.

سأطلب من شيخي أن يعطيني كتباً

كثيرة ، أكثر من كتب ( سامح وسميرة ) ،

سأقوم بتجليدها ، ولن أسمح لأحد أن

يلمسها ، سوى أختي ( مريم ) ، ف ( سامح

وسميرة ) لا يسمحان لنا بلمس كتبهما ..

في كلّ يومٍ سأنال من شيخي علامة

الجيد ، ولن أكون كسولاً مثل ( سميرة ) ،

وفي آخر السّنة سأنجح بتفوقٍ ، وسأوزّع

السّكاكر على كلّ اهل الحارة ، ولن أطعم

وَلَدَي عمّي ، إلّا سكّرة واحدة لكلٍّ منهما ،

مثلما فَعَلَا معي ، يوم نجح إلى الصّف

الثاني ، لا فرق بيني وبين ( سامح )

سوى أنّه ينادي معلمه ( أستاذ ) وأنا أناديه ،

كما أوصاني أبي ، سيدي الشيخ .

في الصّباح الباكر ، وعلى صياح

الدِّيَكَة ، قفز ليوقظ أمّه ، وبسرعة غسّل

وجهه ويديه ، سرّح شعره الخرنوبي ، حمل

حقيبته الزّرقاء ، وانطلق رافضاً تناول

الزعتر والشّاي .

دفع للشيخ ذي اللحية الغزيرة ،

الضاربة للبياض ، ربع ليرة أجرة الأسبوع

سلفاً ، وجلسَ على الحصيرةِ المهترئة ، بين

كومة الأولاد ، المتجمّدينَ أمام أنظار الشّيخ

المسنّ ، وماكاد يستقرّ في مكانهِ ، حتّى

أمره الشّيخ بالوقوف ، تأمّله بعينيه

الحمراوين ، فارتعش الفتى ، لكنّ الشّيخ لم

يشفق عليه ، بل صرخ :

ـ ما هذا الذي تلبسه ؟.. صدّارة !!.. ما

شاء الله ، هل قالوا لكَ إنّ عندي مدرسة ؟!.

انهارت أحلامه ، لم يكن يتوقّع مثل

هذه المعاملة ، من الشّيخ ، أراد أن يسأله

عن رفضه الصدّارة والحقيبة ، غير أنّ

الخوف عقل لسانه ، فجلس دامع العينين .

ما أسرع ما ينهال الشّيخ ، على

الأطفال بعصاه الغليظة ، وما أكثر ما يغضب

ويثور ويحملق بعينيه المرعبتين ، وخلال

أيّام قليلة تعرّض ( رضوان) إلى عدّة

( فلقات ) منه .

وذات يوم .. ضبطه الشّيخ وهو يقتل

ذبابة بيده ، فانهال عليه ضرباً ، غير عابئ

بصرخاته ودموعه ، وأخيراً أصدر أمره الحازم :

ـ التقط الذّبابة .. وضعها في فمكَ ..

وابتلعها .

لم يخطر في باله مثل هذا الأمر ،

بكى .. توسّلَ .. ترجّى .. تضرّع .. سَجَدَ

على قدمَي الشّيخ يقبلهما ، استحلفه بالله

وبالرسول ، فلم يقبل .. تناول الذبابة ..

ووضعها في فمه ، فوجد نفسه يتقيّأ فوق

الحصيرة ، وضجّ الأولاد بالضحك ، بينما

جنّ جنون الشّيخ ، فأخذ يضربه ، ويركله ،

كيفما اتفق ، وبعد أن هدأت ثورته ،

واستطاع أن يلتقط انفاسه بانتظام ، أمره

أن يغسل الحصيرة والأرض . ولمّا كان

صنبور الماء قريباً من الباب ، أسرع وفتحه

وأطلق العنان لقدميه المتورمتين .. فأرسل

الشّيخ على الفور ، من يطارده من الأولاد ..

ولكن هيهات أن يلحق به أحد .

في المساء .. عاد والده من عمله ،

تعشّى مع أسرته ، ثمّ أخبرته زوجته ، بأمر

هرب ( رضوان ) من عند الشّيخ ، فعضب

الأب وصفع ابنه ، وأمره أن يذهب معه ، في

الصّباح لعند الشّيخ ، ليعتذر منه ، ويقبّل

يده الطّاهرة .

ـ الولد ابنك .. لكَ لحمهِ ولنا عظمه .

قال الأب للشيخ .

ـ لا عليكَ يا أبا ( رضوان ) . الولد امانة

في رقبتي . قال الشّيخ مكشراً عن اسنانه

المنخورة .

في ذلك اليوم ، لم يضربه الشّيخ ،

واكتفى بتحذيره ، أنذره من الشّيطان الذي

بداخله .

وبعد أيام وقع (رضوان) في ورطة جديدة ،

وكان الوقت ظهراً ، وكان الأولاد محشورينَ

مثل السُّجناء ، في غرفة صغيرة ، لا نافذة

لها ، كانوا يتصبّبونَ عرقاً ، شعر الطّفل

برغبةٍ لا تقاوم في النّوم ، رغبة اشدّ من

قسوةِ الشّيخ ، ولا يدري كيفَ سها ، وعلى

حين غرّة جاءته ضربة قوية على باطنِ

قدمهِ ، فانتبه مذعوراً ، وقبل أن يسبقه

بكاؤه ، تبوّل في مكانه .. بلّل ثيابه

والحصيرة ، وتعالت الضّحكات من رفاقه ،

وفقد الشّيخ رشده ، فلم يجد ( رضوان )

وسيلة للتخلص سوى بالبكاء ، بكى كثيراً ،

حتى رأف الشّيخ بحاله ، وسمح له

بالإنصراف .

منذ ذلك اليوم ، أطلق عليه الأولاد ،

لقب ( الشخاخ ) .

من أجل هذا ، أخذ يجامل الأولاد ،

ويكسب ودهم ، ولكنهم كانوا أوغاداً ،

ازدادوا استهتاراً به ، وبمحاولاته لكسب

صداقتهم ، وكان الجميع يتشجّعون

وينادونه ( الشخاخ ) ، إلى أن جاء يوم من

أيام الشتاء ، عجز فيه والده ، عن دفع ربع

الليرة ، فطرده الشّيخ ، وكان سعيداً ، لأنه

أصبح حرّاً .. بعيداً عن الشيخ والأولاد .

وجلس ( رضوان ) يترقّب موعد طرد

( سامح وسميرة ) من المدرسة ، لكنّ عمه

لم يعجز حتّى الآن ، عن دفع النفقات ، كما

كان يتوقّع والده ، وذلك أمر كان يحزّ في

قلبه .

صار يتسلق جدران المدرسة ، ليراقب

( سامحاً ) الذي يلعب في الباحة ، مع رفاقه

أثناء الفرصة ، صار همّه الوحيد المراقبة

والانتظار ، لحين انصراف ( سامح ) . وكم

كان يلذّ له أن يأخذ الحقيبة من ( سامح ) ،

ليحملها عنه ، متخيّلاً نفسه تلميذاً ، وفي

تلك الأيام ، كان كثيراً ما يمرّ بالقرب من

أحد المعلّمينَ ، ليرمي عليه السلام ، وكم

كان يشعر بالغبطة ، حين يردّ عليه ، ظانّاً أنّه

أحد تلامذته .

وما كان يضايقه .. سوى الآذن ( أبي

لطّوف ) ، الذي يهرع ليلاحقه بدرّاجته ،

كلّما رآه متسلّقاً على الجدار ، وكم كان

يتهدّده بأنّه سيعيده إلى بطن أمّه إن

أمسكه .. وفي إحدى المرّات ، استطاع

الإمساك به ، كان قد تسلّق الجدار ، وجلس

يطوّح بقدميه ، ينظر إلى التلاميذ ، وبينهم

( سامح ) ، وهم ينفّذون درس الرياضة ..

كان يراقبهم بشغف ، وهم يركضون خلف

الكرة ، وكانت الغيرة تأكل قلبه الصغير ..

وفجأة أمسك ( أبو لطّوف ) بقدمه .. وأخذ

يشدّها بقوة ، و ( رضوان ) الذي صعقته

المفاجأة ، يصرخ .. وهو يحاول التملّص ،

غير أنّ ( أبا لطّوف ) تغلّب على الصغير ،

فارتمى بين ساعديه ، حيث قاده إلى غرفة

المدير ، غير منتبه إلى تبوّل الطفل في

ثيابه .

كان المدير بديناً وأعورَ ، صارماً أشدَّ قسوةً

من الشّيخ ( حمزة ) ، أمره بالجلوس على

الكرسي ، وأمسك الآذن به ، ورفع له

قدميه ، وانهال المدير عليه ضرباً بلا رحمة ،

ولم يتركه إلّا بعد أن أقسم الطفل ، آلاف

المرّات ، بأنّه لن يعود إلى تسلّق الجدار ،

حمل حذاءه وخرج على رؤوس أصابعه ،

ينتحب بغزارة وحرقة ، في حين كانت

( كلابيّته ) تقطر بولاً .

منذ ذلك اليوم ، أقلع ( رضوان )عن

تسلّق الجّدار ، صار يكتفي بالدَّوَران حول

سور المدرسة ، ينتظر ( سامحاً ) ، وكان

يصيخ السّمع ، إلى صوت المعلم ، المتسرّب

من النّافذة ، وهو يهتف :

ـ عَلَمُ بلادي مرفوعٌ .

فيردّد التلاميذ خلفه :

ـ عَلَمُ بلادي مرفوعٌ .

وكان يتناهى إلى سمعه ، صوت

( سامح ) من بين الأصوات ، أو هكذا كان

يتخيّل ، فيشعر بالحسد .. ويتمنّى ذلك

اليوم ، الذي سيعجز عمّه ( قدّور ) عن دفع

النّفقات . في تلك اللحظة فقط ،

سوف يسخر من ( سامح ) ، لأنّ هذا لن

يكون متميّزاً عنه بشيء ، بل على العكس :

ـ ( فأنا أطول منه قامةً .. وأشدّ قوةً ..

واسرع ركضاً .. وكذلك أنا أمهر منه في

قذف الحجارة ، ولا أخاف الاقتراب ، من

الحمير والكلاب .) .

في أحد الأيام ، سقط العمُّ ( قدّور )

عن ( السّقالة ) ، في أثناء عمله في البناء ،

وانكسرت رجله ، فاستبشر خيراً ، ولكن

زوجة عمّه ، سرعان ما خيّبت رجاء

( رضوان ) إذ باعت قرطها وخاتمها

الذهبيّين ، حتى تتمكَّن الأسرة من متابعة

العيش ، وكم كره زوجة عمّه هذه .. بل إنّه

يكرهها من قبل ، لقد رضع كرهها من أمّه ،

التي تطلق عليها .. لقب ( أمُّ عُصٍّ ) ، لأنّها

نحيلةً جدّاً ، في حين كانت أمّه ضخمة

جداً .. وهكذا توالت الأيّام ، وهو يمضي

نهاره ، حول سور المدرسة ، في انتظار

( سامح ) إلى أن جاءت العطلة الصّيفية ...

فينتهزَ الفرصة ، ويقتحم صفّ

( سامح ) ، ويرسم على السّبّورة خطوطاً

كثيرة ، حتّى انتابته حالة انفعالية ،

غريبة .. فأخذ يكسّر المقاعد والنوافذ ..

ولم يخرج من الصّف ، إلّا بعد أن رفعَ

( كلّابيَّتهُ ) ، وتبوّل فوقَ طاولة المعلّم ..

وأمامَ السّبّورَة .


مصطفى الحاج حسين .

تتبع .. ( بالفصل الثاني )
الموضوع الأصلي: رواية .. ( ملح السّراب ) | الكاتب: مصطفى الحاج حسين | المصدر: أوتار أدبية





v,hdm >> ( lgp hgs~vhf ) Hld hgs~vhf v,hdm





رد مع اقتباس
غير مقروء 01-10-2018, 03:58 AM   #2
مصطفى الحاج حسين
لحن جديد


الصورة الرمزية مصطفى الحاج حسين
مصطفى الحاج حسين غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 925
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 أخر زيارة : 02-15-2018 (08:55 AM)
 المشاركات : 25 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Syria
 الجنس ~
Male
لوني المفضل : Azure
آخر تواجد: 02-15-2018 08:55 AM
افتراضي رد: رواية .. ( ملح السّراب )



رواية ( ملح السّراب ) ..

الفصل ( الثاني )

الكاتب : مصطفى الحاج حسين .



استيقظتُ على ركلةٍ قويَّةٍ ، وقبل أن

أفتح عينيّ النّاعستين ، انهمرت دموع الوجع منهما

، أحسست أنّ خاصرتي قد انشقّت ، وقد هالني أن

أبصر أبي ، فوق رأسي وعيناه تقدحان شرراً ،

نهضت مسرعاً ، يسبقني صراخي وعويلي ، فأنا لم

أدّر بعد ، لماذا يوقظني بهذه الطّريقة ؟!.

ـ ساعة .. وأنا أناديكَ .. فلا تردّ ياابن

الكلب !.

أنا أعرف أبي ، إنّه قاسٍ ، بل هو أشدّ قسوة

وفظاعة من الشّيخ ( حمزة ) نفسه ، ومن مدير

المدرسة ( الأعور ) ، فكثيراً ما كان يضربني

وشقيقتي ( مريم ) ، لأتفه الأسباب ، حتّى أمّي ، لم

تكن تسلم من ضربه وشتائمه .

ـ إلى متى ستبقى ( فلتاناً ) مثل الحمار ، لا

عمل .. ولا صنعة ؟!.

شهقتُ بعمقٍ ، تنشَّقتُ مخاطي ، بينما راحت

عينايّ تستوضحان وجهَ أمّي ، المنهمكة باحضار

الفطور ، عن معنى مايقوله أبي ، قرأت أمي

تساؤلاتي .. فاقتربت منّي :

ـ ستذهب لتشتغلَ مع أبيكَ .. صار عمركَ عشر

سنوات .

وكدّت أصرخ :

ـ أنا لا أقدر على حمل الحجارة ، ولا أحبّ

صنعة العمارة .

غير أنّ نظرات أبي الحادّة ، أرغمتني على الصّمت ،

فبقيت مطرق الرّأس ، أشهق بين اللحظة والأخرى .

قال أبي بقسوة :

ـ تحرّك .. اغسل يديك ووجهك .. وتعالَ تناول

لقمة قبل أن نذهب .

خرجتُ من الغرفة ساخطاً ، شعرتُ بكره نحو

أبي ، وصنعة البناء ، فهي متعبة ، تعرّفتُ عليها ،

عندما كنتُ أذهبُ إليه أحياناً ، فأرى ما يعانيه ،

الذين يشتغلون بهذه المهنة .. من تعبٍ .

تبعتني أمّي إلى المطبخ ، وما كدّتُ أسمع وقع

خطاها ، حتى التفتُّ نحوها صارخاً :

ـ أنا لا أريد الشّغل .. في العمارة .

فردّت بصوت يكاد يكون همساً ، بينما كانت تضع

إصبعها على فمها :

ـ لو لايّ .. لأخذكَ من سنتين معه إلى الشّغل ..

الآن لم يعد يسمع كلامي .

ـ لكنّني لا أقدر على حمل الأحجار ، وأسطلة

الطّين .

قلتُ بحنق شديد . قالت أمّي :

ـ وماذا أفعل ؟.. أنت تعرف أباكَ .. لا يتناقش .

وقبل أن أردّ على أمّي .. انبعث صوت أبي صارخاً ،

من الغرفة :

ـ ألم تنتهِ من التّغسيل يا أفندي ؟!.. تأخّرنا ..

صار الظّهر .

أسرعتُ إليه .. متظاهراً بتجفيف وجهي .. وخلال

دقائق ، ازدردتُ عدٌة لقيمات .

ونهضتُ خلفه ، حزيناً .. يائساً .. بي رغبة

للبكاء ، سرت خلفه ، أراقب حركات ( شرواله)

المهترئ ، وسترته ( الكاكيّة ) الممزٌقة ، تأمّلتُ

( جمدانته ) السّوداء العتيقة .. تمنّيتُ في تلك

اللحظة ، ألَّا يكونَ هذا الرّجل أبي ، كلّ شيءٍ فيهِ

كريهٍ ، حتّى شكله ، عمّي ( قدّور ) أجمل من

والدي ، والأهمّ من هذا كلّه ، أنّه لا يرتد ( شروالاً ) ،

ولا يرغم ابنه ( سامح ) ، الذي يكبرني بسن

ونصف ، على عمل لا يحبّه ، لقد أدخله و ( سميرة )

المدرسة ، وهو يشتري لهما الألعاب ، ويعاملهما

بمحبّةٍ ودلالٍ .

كنتُ أحدّثُ نفسي طوال النهار ، وأتمنّى

التّملّص من أبي ، وكلّما ازداد تعبي ، أزددتُ حنقاً

عليه ، الشّمس حارقة ، والأحجار ثقيلة ، وسطول

الإسمنت قطّعت أصابعي ،الغبار يخنقني ، والعرق

الدّبق يغسّلني ، وأبي لا يتوقّف عن العمل ، ولا

يسمح لعمّاله بقسطٍ من الرّاحة ، في الظّل .

أفكّر في ( سامح ) ، وكيف سيضحك عليّ ،

إذا علم بقصّة عملي ، إنّه الآن في المدرسة ، بعد

قليلٍ ينصرف ، ينطلق باحثاً عنّي ، لكنّه لن يجدني ،

سيجوب الأزقّة .. يسألُ أمّي وإخوتي .. وسيفرحه

الخبر ، فأنا الآن عامل بِناء ، في ثيابٍ وسخة ،

بالتّأكيد سيفتّش عن أصدقاءٍ غيري ، يشاركونه

اللعب .

لن ننصرف قبل أن تغيب الشّمس ، ما أطول

النّهار ، وما أبعد المغيب !.. لن يتسنّى لي أن أرتاح ،

وألعب قليلاً مع ( سامح ) .

اللعنة على الإسمنت والحجارة ، اللعنة على

الغبار الذي أمقته ، أكاد أختنق ، رأسي انصهر من

شدّة الحرّ ، والعرق يتصبّب منّي بغزارة ، عليّ أن

أستحمّ فور عودتي .

هذا اليوم أقسى أيّام حياتي ، لم يكد أن يأذّن

العصر ، حتّى شعرتُ أنّ قوايَ خارت تماماً ، وجهي

تحوّل إلى كرةٍ ملتهبة ، محمرّة ، رأسي أشتدّ به

صُداع حادّ ، يدايَ ، قدمايَ ، ظهري ، رقبتي ،

أكتافي ، عينايَ ، كلّ خليّة في جسدي الهزيل ،

تؤلمني ، وتوجعني ، وتصرخ ، وتبكي ، وتمنّيتُ أن

أموتَ في تلك اللحظة ، أو أتحوّل إلى كلبٍ ، أو

قطّةٍ ، تذهب حيث تشاء ، تستلقي في الظلّ ..

وتغفو . وتساءلت :

ـ يا إلهي .. ألا يتعب أبي ؟!.. هل هو من

حجر ، أم من حديد ؟!.. إذاً لماذا لا يستريح ؟!..

ولو خمس دقائق فقط ، خمس دقائق يا أبي لن

تخرب الدّنيا .. شعرتُ نحوه ببعض الإشفاق ،

وبشيءٍ كبيرٍ من الغضبِ والحقد .

ـ إن كنتَ لا تهتمَّ بنفسك ، أو بعمّالك ، فأنا

تعبت ، ولم أعد قادراً على تسلّق السّلّم ، ولن أقوى

على حمل سطل الإسمنت ، أنا منهار أيّها الأب

القاسي ، هل تسمعني ؟!.. ألا تفهم !.. اعلم إذاً

بأنّني سوف أهرب .. وأترككَ مع عمّالكَ الأغبياء ،

هل باعوكَ أنفسهم ، من أجلِ بضعِ ليراتٍ ؟!.

ونمت فكرة الهرب في رأسي ، صارت تتغلغل

إلى خلايا جسدي المنهكة فتنعشها ، لكنّني سرعان

ما جفلتُ .. من فكرتي هذه ، وصرتُ أرتجف . غير

أنّ الفكرة الرائعة ، كانت قد سيطرت عليّ تماماً ،

سأهرب .. وهناك في البيت ، سوف تتشفّع لي

أمّي .. سأهرب .. وسأرجو والدي أن يعتقني من

هذه الصنعة ، وكبرت الفكرة في ذهني ، سألجأ إلى

عمّي ( قدّور ) ، أتوسّل إليه أن يساعدني ، في إقناع

أبي ، بالعدول عن قراره ، بالعمل معه ، سأعمل في

أيّ مهنة يشاء ، فقط لو يتركني أنجو من هذه

الصّنعة ، وعزمتُ أن أنفّذ الفكرة .. وتمكّنت من

الفرار ، دون أن يلحظني أحد ، فقد تظاهرتُ بأنّني

أريد التّبوّل ، ولمّا أدركتُ ، أنّني ابتعدت عن أنظار

والدي وعماله ، أطلقتُ العنانَ لقدميَّ المتعبتين .

لم أكن أدري ، أنّ أبي سيترك عمله ، ويتبعني

إلى البيت ، فور اكتشافه أمر هروبي ، فما كدّتُ

أطلب من أمّي ، أن تعدَّ لي لقمة ، ريثما أغتسل

وأغيّر ثيابي ، حتّى اقتحم أبي الدار ، والغضب

يتطاير من وجهه المغبرّ ، هجم عليَّ ، وفي يده

خرطوم ، صارخاً في هياج :

ـ هربت يا ابن الكلبة !.

يبست الكلمة في فمي ، تراجعت ، انبعث

صوتي ضعيفاً باكياً :

ـ تعبت يا أبي .. لم تعد لي قدرة على

الشّغل .

انهمرت على جسدي العاري سياط الخرطوم ،

عنيفة ، قويّة ، ملتهبة ، ودونَ أدنى شفقة ، أو

رحمة ، وانتشرت صرخاتي في كلّ الاتّجاهات ،

حادّة عالية :

ـ دخيلك يا ( يوب ) ، أبوس رجلك ..

أبوس ( صرمايتك ) .

وأسرعت أمّي نحوي ، ارتمت على أبي بضخامتها ،

وقفت حائلاً بيننا ، فما كان منه ، إلّا أن صفعها بكلّ

قوّة :

ـ ابتعدي .. من أمامي يا بقرة .

تلقّت لسعات الخرطوم ، صارخة :

ـ خير !!!.. يا ( أبو رضوان ) .. ماذا فعل

الولد ؟؟؟.

ـ ابن الكلب ...هرب من الشّغل .

تابع ضربي ، ولم تنجُ أمّي من ضرباته أيضاً ، فكانت

سياطه تقع على جسدها الضّخم ، المترهّل ، بينما

وقفت أختي ( مريم ) في أقصى الزّاوية ، جزعة ،

مرعوبة ، تبكي بصمتٍ ، وترتجف ، تدفّق الدّم من

فمي بغزارة ، فارتمت أمي على قدميه ، ترجوه ،

تتضرّع له ، تتوسّل ، تتذلّل ، تبكي بجنونٍ ، وبحرقةٍ

وألمٍ :

ـ أبوس ( قندرتك ) توقّف ، عن ضربه ، الولد

انتهى .

هجم عليّ من جديد ، رفعَ يدهُ عالياً ، وهوى

بها على رأسي ، فطار الشّرر من عينيَّ ، وصرختُ

صرخةً ارتجّت لقوّتها أرجاء الغرفة ، صاحت

( مريم ) بذعرٍ شديدٍ ، وبينما كنتُ أتدحرج ، ممرّغاً

بدمائي ، شقّت أمّي ثوبها ، اندلق على الفور

نهداها الهائلان ، تناهى إلى أسماعنا ، صوت خبطات

قويّة على الباب .. رمى أبي الخرطوم ، وخرج

ليفتح .

انحنت أمّي تغسلني بدموعها ، ضمّتني إلى

صدرها العاري ، وبكت بحرقة ، وهي تدمدم :

ـ أسفي عليك يا ( رضوان ) ... أسفي عليك يا

ولدي .

دخل عمي ( قدّور ) ، فأسرعت أمّي إليه باكية :

ـ دخيلك .. الولد راح من يدي .

زعقَ أبي .. متهدّج الصّوت .. وكان النّدم قد تسلّل

إلى صوته :

ـ ادخلي .. غرفتك يا مقروفة الرّقبة .. واستري

صدرك .

لكنّها لم تأبه بكلامه :

ـ الولد بحاجة إلى دكتور يا ( قدّور ) *

مصطفى الحاج حسين .

يتبعها الفصل ( الثالث )


 

رد مع اقتباس
غير مقروء 01-12-2018, 06:39 AM   #3
مصطفى الحاج حسين
لحن جديد


الصورة الرمزية مصطفى الحاج حسين
مصطفى الحاج حسين غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 925
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 أخر زيارة : 02-15-2018 (08:55 AM)
 المشاركات : 25 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Syria
 الجنس ~
Male
لوني المفضل : Azure
آخر تواجد: 02-15-2018 08:55 AM
افتراضي رد: رواية .. ( ملح السّراب )



( الفصل الثالث )

الكاتب : مصطفى الحاج حسين .

كان " سامح " يتقدّمنا بعدّة أمتار ، حين بدأنا

ندخل متسلّلين إلى" مقطع الزَّاغ " ، ومنذ أن خطونا

إليه ، تسرّبت إلى أجسادنا برودة عفنة ، فشعرنا

بالرّاحة والنّشوة ، لأنّ حرارة الجّو في الخارج كانت

خانقة .

اجتزنا الطّريق الضّيقة المتعرّجة مبتهجينَ ،

ولكنّ إحساساً داخلياً بالإنقباضِ والوحشةِ أخذ

يراودنا .

قبعت الظّلمة في المكان ، غير أنّ الجّدران

الحوّاريّة البيضاء خفّفت منها فبدا المكان أشبه

بكهفٍ مسحور .

صاح 'عثمان " :

- انتبهوا من الجّنّ والعفاريت .

وتردّد صوته مختلطاً بقهقهات"سعيد الجّدع" ، الذي

ظهر من خلال ضحكته شيء غير طبيعي ، يشير

إلى خوفه وفزعه .

وعندما سَكَتَت الجّدران عن ترديد صدى الضّخكة ..

قال :

- أنا لا أخاف منها .. ففي رقبتي سلسال مكتوب

عليه (( الله - محمد )) وهو يحميني من

الشّياطين .

قلتُ معلقاً على كلامه ، وقد أخذ الممرّ الضّيق

بالاتّساع والعتمة تتضاعف ، بينما الانحدار نحو

الدّاخل يزداد حدّة :

- لكنّ سلسالكَ هذا لا يحميكَ من أرواح الأموات

المنتشرة قبورهم على سفح الجّبل.

صرخ "عمر" وكان يمشي خلفنا :

- ياأولاد الحرام ، اتركونا من سيرة الأموات والجّن

وإلّا سأرجع إلى الحارة .

البرودة تزداد قوّة وحلكة كلّما توغّلنا ، لدرجة

أنّنا شعرنا بقشعريرة البرد تسري في عروقنا ، بينما

كان الماء ينزُّ من السّقوف والجّدران مخرجاً خريراً

منبعثاً من الأعماق يتناهى إلى أسماعنا .

صاح "سامح" أبن عمّي فجأة ، بصوتٍ مليءٍ

بالدّهشةِ والفرح :

- يا جماعة .. أشمُّ رائحة نار .

فأسرعنا نهبط فرحين ، وحقيبة" سامح " المدرسيّة

كانت تتأرجح خلف ظهري ، فقد كنتُ أحبّ دائماً

حملها معي ، ليظنّ من يراني بأنّي طالب مدرسة .

زعقَ "عثمان" :

- رائع عندي سيكارتان " ناعورة " ولا أملك شعلة .

وصلنا إلى ساحة مترامية الأطراف ، يبدو أنّها

في القاع تماماً . فسرقت عيوننا نار متأجّجة يتحلّق

حولها ثلاثة شبّان . إلى جوارهم تناثرت زجاجات

العرق .

انكمشنا في أماكننا جامدين ، بينما تتفرّسنا

أنظار الشّباب بدهشةٍ وبهجةٍ واضحتين .

قال أحدهم ، وكان يدعى" جمعة زقّان " ، بصوت

خرجت بحة المشروب معه :

- تفضلوا ياحلوين .. تعالوا .. لا تخافوا ، لا يوجد

بيننا غريب .. كّلنا أولاد حارة .

بقينا على وقفتنا خائفين ، ودقات قلوبنا تطرق

صاخبة عنيفة .. إنّ " جمعة زقّان " هذا نعرفه

تماماً ، ونعرف شلّته أيضاً ، فكلهم مجرمون ،

يغتصبون الأولاد . وكثيراً ما حذَّرني والدي منهم .

صاح الثاني ، واسمه " حمّود النّازل " ، وهو ذو يد

مقطوعة :

- تعالوا .. دخّنوا واشربوا العرق .

وكرع جرعة من زجاجته ، ثمّ أردف قائلاً :

- "تقبروني ما أحلاكم " .

صرخ الثّالث ، وكان يدعى " لطّوف النّابح " ، وكان له

صوت يشبه نباح كلب ، يخرج من تحت شفته

المشرومة :

- هربتم من المدرسة يا عكاريت ، جئتم وألله بعثكم

لنا ، الحرارة متوتّرة معنا .

قال ذلك ونهض نحونا .

صرخ أحدنا بفزعٍ :

- اهربوا .. اهربوا قبل أن يمسكوا بنا .

انطلقنا راكضين صوب الخلف ، كان الانحدار

صعباً هذه المرّة ، وليس من صالحنا ، وبدأت

أقدامهم بدبيبها المرعب تضطرب خلفنا ، ونحن

نلهث مذعورين، قلوبنا ترتجف بشدّة لم نعهدها ،

وأنفاسنا تضيق حتّى كأنّها سوف تتفجّر ، والحقائب

خلف ظهورنا تزيد من توتّرنا وخوفنا بتأرجحها ،

ممّا جعلني أندم على حملها في هذه المرّة ، وخطر

لي أن أرميها لابن عمّي " سامح " ، لكن لا مجال

الآن ، ونحن نهرب مذعورين .

انبعثت صرخة ذعر حارقة من خلفي . لقد

سقط " سامح ' ابن عمي في أيديهم ، تفاقم الفزع

فينا ، أسرعنا بكلّ ما نستطيع ، صاعدينَ متوقّعينَ

أن تمتدّ يد غليظة الأصابع فتمسك بنا من ياقاتنا ،

كنت الأخير خلف رفاقي ، وكان صراخ " سامح "

وعويله المجنونان يدفعانني لبذل طاقتي النّهائية

في الصّعود .

أخيراً وصلنا إلى فوّهة " المقطع " ، استدرنا

للخلف ، كانت أصوات الأقدام قد انقطعت ولم نَرَ

أحداً . لقد عادوا ليفترسوا " سامحاً " الذي لم نعد

نسمع له أيّ صوت .

توقفنا على مسافة غير بعيدة ، وصدورنا تعلو

وتهبط مسرعة كخوفنا ، وأجسادنا مغسولة بعرقنا

الحارق ، كصوت " سامح " حين أمسكوا به .

قال " عمر " يخاطبني بصوت متهدّج :

- " رضوان " .. عليكَ أن تخبرَ بيت عمّك حتى ينقذوا

ابنهم .

قاطعه " عثمان " :

- ماذا ؟ .. إذا قمنا بتبليغهم يافهيم فسوف يعلم

أهلنا بهربنا من المدرسة .

قلت وقد بدأ التّعب يزايلني :

- ليس أمامنا وسيلة لانقاذ " سامح " غير تبليغ

عمّي ، وبسرعة قبل أن يقوموا باغتصابه .

ضحك " سعيد الجّدع " ( صياد الجرابيع )

وعلّق على كلامي :

- منذ اليوم صار لقب " سامح " ( مفعولاً به)

قهقه " عثمان " حتّى آلمته خاصرته ، وقال:

- لأوّل مرّة يهرب من المدرسة فيتعرّض للإغتصاب .

وتابع قهقهته .

صرخ " عمر " بانزعاج :

- أنتم حقراء .. أولاد كلب ، تضحكون بينما لا نعرف

ماذا جرى " لسامح " .

تخيّلت " جمعة زقّان " صاحب الرأس الكبيرة ،

والأنف الممطوط ، وهو يشمّر " كلابيته " وينزّل "

شرواله " واضعاً سكّينه فوق عنق " سامح " ، بينما

يحاول أفراد العصابة جاهدين تثبيت " سامح " .

- أنا ذاهب لإبلاغ " عمّي قدّور " .

قال " عمر " وهو يتبوّل من الرّعبة :

- اذهب بعجلة .. أمّا نحن فسنبقى هنا

لنراقب الوضع ، فربما يأخذون " سامحاً " إلى مكان

آخر .

رميت حقيبة " سامح " من خلف ظهري وانطلقت

كالصاروخ ، منحدراً من قمّة الجبل نحو البلدة .

في غمرة هذه الأحداث ، وهذا الانفعال، كانت

تداهمني موجات من الفرح ، فأنا لا أحبّ " سامحاً "

منذ وعيت الدّنيا بسبب امتيازه عنّي بدخوله

المدرسة .

غير أنّني سرعان ما كظمت فرحي هذا ، وعاودتني

حالة الخوف والقلق ، " فسامح " ابن عمّي قبل أيّ

شيء آخر ، وقد هرب من المدرسة لأوّل مرّة

لارضائي بعد أن هدّدته بالزّعل فوافق . ثمّ ماذا

سيكون موقفي من أبي وعمّي " قدّور " إن أعترف "

سامح " بأنّي سبب هروبه من المدرسة ؟ .

في الطّريق ، بينما كنت أركض بين الأزقّة ،

وعند المنعطف تماماً ، برز والدي " بشرواله "

وسترته ذات اللون " الكاكي " المعهودة ، توقّفت

في مكاني ، تجمّدت أمام نظرته الصّارمة .

- هارب من الشّغل " يابندوق " ؟!.

حافظت على صمتي المبدّد بلهاثي ، ماذا

أقول ؟..هل أخبره بما يحدث " لسامح" ، لم أكن

أتوقّع رؤيته ، فلم أرتّب كذبة في ذهني تنطلي

عليه .. وتأكّدت أنّه ترك عمله ليبحث عنّي .

- عاقل باابن " القحبة " ، تتظاهر بالمسكنة ، والله

لأريك نجوم الظّهر .

وهوت كفّه، ثقيلة خشنة ، صفعتني بقوّة، تطاير

الشّرر من عينيّ ، ترنّحت ، سقطت ، ركلني ، جاءت

ركلته على خاصرتي ، طارت فردة " الصّرماية "

الحمراء من قدمه ، نهضتُ ، فقذفني بها على

رأسي .

- آخ يا " يوب " التّوبة . وحقّ المصحف ماعدت

أهرب .

- امشِ إلى الدّار ياابن " الجحشة " بدّي ألعن أبوك

على أبو أمك .

سبقته بعدّة خطوات ، خائفاً من ضربة مفاجئة ،

ولهذا كنت ألتفت خلفي لأتأكّد من بعد المسافة

عنه ، بينما أتنشّق مخاطي المختلط بالدّم المتدفق

من أنفي .

سبقني صراخي إلى الدّار ، ففتحت أختي"

مريم " الباب ، واستقبلتني أمّي بوجهها الشّاحب ،

وعينيها الفزعتين ، فتعالى بكائي ، وتضاعف

تأوّهي :

- ياأمّي ... خاصرتي .

وقفت أمّي حائلاً بيني وبين أبي ، وقالت تسأله :

- خير إن شاء الله .. ماذا فعل " رضوان " حتّى

تعاقبه ؟.

وأتاها صوته ليرعب " مريم " وتنكمش على نفسها :

- ابن " الصّرماية " هرب من الشّغل .

قال ذلك وهو بالكاد يلتقط أنفاسه.

- يلعن " أبو الشغل " ستقتل الصبي ، الولد لا يحبّ

صنعة العمارة .

صرخ أبي وقد زاده غضباً كلام أمي :

- كلامك هذا يشجّعه على الهرب ، عليَّ الحرام

والطّلاق بالثلاثة سأشتري له قيداً وجنزيراً .

توقفتُ عن البكاء برهة ، مددتُ رأسي من وراء أمّي ،

وقلت :

- أنا لا أريد أن أشتغل في العمارة . أرسلوني لعند

الخيّاط فلا أهرب .

هجم نحوي ، صوّب ركلة إلى مؤخرتي :

- عليّ الكفر لن أتركك تشتغل إلّا في العمارة ياكلب ،

هذه صنعتي وصنعة أبي وأجدادي ، وستعمل بها .

ثمّ تابع قوله الصّارخ :

- تحرّك أمامي إلى الورشة .

صاحت أمّي :

- ألا ترى دمه .. أتركه ليوم غد .

عدّل أبي " جمدانته " فوق رأسه وقال :

- أنا ذاهب للشغل ، وعندما أرجع سيكون لي معك

الحساب .

سحبتني أمّي من يدي ، أدخلتني الغرفة

الشّمالية ، أخذت تمسح دموعي ومخاطي الدّامي ..

وهي تقول:

- ألم أنصحكَ بعدم الهرب ؟.

صحتُ بصوتٍ مخنوقٍ :

- أنا لا أطيق العمل في العمارة .. لماذا لم تدخلوني

المدرسة مثل " سامح " ؟ .

لم أكد أذكر اسم " سامح " حتّى قفزتُ من

مكاني ، غير عابئ باندهاش أمّي ونداءاتها هي

وأختي " مريم " ، صرختُ وأنا أجتاز عتبة الدّار :

- يجب أن أبلّغ عمّي " قدّور " لينقذ ابنه "

سامح " .. لقد تأخّرتُ .. لقد تأخّرتُ .

مصطفى الحاج حسين .


يتبعها الفصل ( الرابع )


 

رد مع اقتباس
غير مقروء 01-17-2018, 03:09 AM   #4
مصطفى الحاج حسين
لحن جديد


الصورة الرمزية مصطفى الحاج حسين
مصطفى الحاج حسين غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 925
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 أخر زيارة : 02-15-2018 (08:55 AM)
 المشاركات : 25 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Syria
 الجنس ~
Male
لوني المفضل : Azure
آخر تواجد: 02-15-2018 08:55 AM
افتراضي رد: رواية .. ( ملح السّراب )



رواية .. ( ملح السّراب )

( الفصل الرابع )

الكاتب : مصطفى الحاج حسين .


كان عائداً من عمله ، منهكاً لا يقوى على جرّ نفسه ،

فتحت له "مريم " الباب ، وهتفت بفرح واضح :

- " رضوان " .. أنا أعرف كتابة اسمي .

ظنّها تهلوس، فهي أمّيّة مثله ، فسألها ساخراً :

- وكيف تعلّمتِ الكتابة ياعبقريّة ؟.

- من " سميرة " ، هي التي علّمتني .

خفق قلبه ، أمعقول هذا ؟! .. هل يمكن له أن يتعلّم ،

وهو ابن الثانية عشرة ، وبرقت في ذهنه فكرة ،

سرعان ما كبرت ، قبل أن يخطو عتبة الغرفة :

- سأعرض على " سامح " أن يعلّمني ، سأرجوه إن

رفض . سأشتري له " البوظة " .

وفجأة .. شعر برغبة عارمة ، في رؤية "سامح " ،

قرر أن يذهب إليه حالاً ، وقبل أن يغسل يديه

ووجهه من الغبار والعرق ، ودون أن يغيّر ثيابه

المهترئة والمتّسخة ، قفز مسرعاً، بينما كانت أمّه

تعدّ له طعام الغداء .

دخل بيت عمّه " قدّور "، وجد " سامحاً" محنيّاً على

كتابة وظائفه ، فقال بسرعة :

- " سامح " أريدك أن تعلّمني كتابة اسمي .

رفع " سامح " رأسه نحوه ، وارتسمت ابتسامة

ساخرة على شفتيه :

- تعلّم الكتابة صعب عليك .

- ولماذا صعب ؟!.

هكذا سأل بحنق .

- صعب .. ثمّ ماذا ستستفيد إن تعلّمت كتابة

اسمك ؟!.

- سأستفيد ، سأتعلّم كتابة اسمك واسم أبي وأمّي و

مريم وسميرة أيضاً .

ضحك " سامح " ، فاغتاظ " رضوان " وقد أدرك

شعور ابن عمّه بالتفوق عليه ، فأحسّ نحوه بكرهٍ

شديدٍ ، غير أنّه وفي هذه اللحظة لا يريد إغضابه ،

وهو على أيّ حال قادر على ضربه ، لذلك كبح

حنقه :

- ماذا قلت ؟؟.. هل أنت موافق ؟.

هزّ " سامح " رأسه علامة الموافقة ، وبقيّ صامتاً

يتطلّع إلى الأرض ، كأنّه يفكّر بشيء ما .

- إذاً هيّا بنا .. تعال علّمني .

- لا .. ليس الآن ، سأعلّمك ولكن فيما بعد .

- ولماذا فيما بعد ؟!.. أنا جاهز الآن .

سأل بلهفة من فقد صبره .

- اسمع يا " رضوان " ، هناك فتى في صفّي يزعجني

كلّ يوم ، وأنا لا أقدر عليه ، أريدك أ تنتظره عند

باب المدرسة وتضربه .. هذا هو شرطي ، لكي

أعلّمك ، فما رأيك ؟ .

صرخ " رضوان " دون تفكير ، فلقد شعر بالنّشوة

والاعتزاز بنفسه ، " فسامح " يعترف بقوّته ، بشكل

غير مباشر :

- طبعاً أنا موافق .. حتّى من غير أن

تعلّمني ، فأنت ابن عمي ، أنا على استعداد لقتله

نهائياً من أجلك .

عاد " رضوان " إلى بيته ، وهو يفكر :

- سوف أجعله عبرة لكلّ الطلاب الذين لا أحبّهم ،

فأنا قويّ ، الجميع يشهد لي بذلك ، وكلّ من يدرس

يحسدني على قوّتي .

في اليوم التالي ، وقف " رضوان " قرب المدرسة ،

ينتظر وهو متفائل بقدرته على سحق خصمه ،

ولذلك فهو لم يحمل معه سلاحاً ، كان يهمس في

سرّه :

- سأعاركه بيديّ ، وإذا لزم الأمر سأشقّ رأسه

بالحجارة .

وكان يتخيّل كيف أنّ " سامحاً " سيحسدّه على

قوته ، ويعرف أنّه بدونه لا يساوي شيئاً .

بدأ الطلاب يخرجون ، فأخذ يحملق فيهم واحداً

واحداً .. ولاح له " سامح " يرتدي صدريّته ويحمل

حقيبته، ولمّا اقترب منه كان وجهه مصفراً ، فدنا

منه وهمس :

- " رضوان " .. أنا خائف .

فصاح " رضوان " بصوت مرتعش :

- ولماذا تخاف ؟؟!! .. أنت دلّني عليه فقط .

فقال " سامح " بصوته المضطرب :

- سيعرف أنّك ابن عمّي ، وسيقدّم شكوى بحقّي

للأستاذ .

- لا عليك .. لن أجعله يعرف من أنا .. سأتبعه إلى أن

يبتعد، ثمّ أنقضُ عليه وأرميه مثل الكلب فوق

التّراب .

ابتعد " سامح " كالمذعور وهو يهمس:

- لقد جاء .. ها هو ، ذاك الذي يحمل حقيبة سوداء

كبيرة .

نظر " رضوان "حوله، فشاهد عدداً كبيراً من التّلاميذ

متشابهي الثياب ، غير أنه عرف خصمه من بينهم ،

صاحب المحفظة السّوداء ، وعندما اقترب منه ،

وجده أطول قامة ، وتظهر في وجهه علامات القوّة

والشقاوة، تبعه " رضوان" بينما كان"سامح " يبتعد ،

وهو ينظر خلفه ، بين اللحظة والأخرى .

دخل الخصم في زقاق جانبي ، وأخذ يسرع خطاه ،

عندما عاجله " رضوان " بصرخة قويّة:

- توقّف ياكلب .. توقّف عندك .

التفت ذو المحفظة السّوداء مستغرباً ، فرأى "رضوان

" مسرعاً نحوه وهو يصرخ :

- نعم .. أنت .. توقف ، سوف ألعن أباك .

وفور وصوله هجم عليه ، مسدداً ضربة قوية على

وجهه ، فحمل هذا محفظته ، وهوى بها على وجه "

رضوان " فتدفق الدّم من أنفه غزيراً ، فجنّ جنونه .

وزعق :

- سأفعل بأمك يا ابن ال ....

والتقط حجراً كبيراً وقفذف بها خصمه، الذي تفاداها

ببراعة ، واشتبكا بقوة ، وكلّ يحاول أن ينتف شعر

الآخر ، بينما دم " رضوان " يسيل على وجهه ،

والتفّ الصبية يتفرّجون على المشهد المثير ، ومن

بعدٍ لمح " رضوان " ابن عمّه " سامحاً " واقفاً

يراقب المعركة ، فشعر نحوه بالحقد ، كيف يقف

هكذا دون أن يساعده ، فهذا الخصم قويّ لا يستهان

به ، وندم لأنّه لم يأت معه بسلاح، وأصابه الخجل

عندما استطاع خصمه أن يلوي له ذراعه ، لا بدّ أنّ "

سامحاً " يسخر منه الآن ، يده تكاد تكسر تحت

ثقل الضغط ، ففكر أن يستغيث " بسامح " ، ولكن

قوته المزعومة ستهتز حقاً في نظر " سامح " ..

تألم كثيراً ولكنّه استطاع في اللحظة الأخيرة أن

يصرخ :

- اترك يدي ياابن السّافلة .. لقد كسرتها .

ولم يكد يكمل عبارته حتّى جاءته ركلة على

مؤخرته ، تحرّرت يده وركض يبحث عن حجر ،

لكنّه وجد صاحب المحفظة ينحني على الأرض ،

فانطلق يعدو وخلفه خصمه ، وهو يهتف :

- توقّف يا جبان .. سألعن أباك .

حول سور المدرسة قعد " رضوان " حاملاً في طيّات

نفسه ذلّه وانكساره ، لقد هزم ..

ياللفضيحة ، وكان يتساءل :

- كيف سأقابل " سامحاً " ؟. وماذا سيقول هذا

الوغد " لسميرة " ، التي أتظاهر أمامها دائماً

بالقوة ؟؟ .. اللعنة عليك يا " سامح " ، هل نصبت

لي فخاً ؟!؟!.. هل كنت تعرف مدى قوة ذلك

السّافل ؟؟.. ودفعتني لأتعارك معه ؟ ..

أكنتَ تمتحن قوتي ؟!.. أم كنت مخدوعاً بقوتي

مثلما كنتُ أنا مخدوع .. ولكنّي سأريك قبل أن أري

خصمي ، بأنّي لست جباناً .. فإن هربت اليوم ،

فذلك لأنّي متعب من العمل ، في الغد سأحتال على

أبي وأبقى في البيت ، وآتي إلى المدرسة ، قسماً

سأهشّم رأسه ، سأضربه حتّى الموت .. فلا تسخر

منّي ياوغد ، وإياك أن تذكر شيئاً أمام أختك "

سميرة " .

ما كان عليّ أن أهرب ، كان عليّ أن أحمل سلاحاً ،

وأن أجد حجراً ، بدل أن أهرب .. اللعنة على

الحجارة ، حين نحتاجها لا نجدها .. ما أبشع

الهزيمة ؟! .

ظلّ " رضوان " هكذا متوارياً ، يفكّر .. وها قد حلّ

الظّلام ، ولا بدّ له أن يعود ، قبل أن يتفقّده أبوه .

وفي اليوم التالي ، استطاع " رضوان " أن يحتال

على أبيه ، ولم يذهب إلى الشغل ، نهض من فراشه

متّجهاً نحو المطبخ ، وأخذ يتفحّص السّكاكين،

فانتقى واحدة لينتقم بها لكرامته ويستعيد ماء

وجهه من خصمه ، وبسرعة أخفاها وراء ظهره ،

حين دخلت عليه أمّه سائلة :

- لمَ تركت فراشك وأنتَ مريض ؟ .

فهرب أمامها دون أن تلمح السّكين ، إنّه لا يخافها

على الإطلاق ، وهي أيضاً تتستّر عليه فلا تخبر

والده بما يفعله . ولقد كتمت أمر تدخينه السّجائر

أمامها رغم تهديداتها المتكررة .

كان عليه أن ينتظر ، ريثما يحين موعد انصراف

طلاب المدارس ، فقضى هذا الوقت في محاولة

تجربة السّكين في قطع الأشياء ، وقام بالتدرّب

عليها ، حيث يقفزها بقوة عن بعد، فتعلق بأعمدة

الكهرباء . لم يشأ أن يقابل " سامحاً " ، أجّل ذلك

ريثما يستردّ كرامته ويحقّق انتقامه ، وأقسم :

- لو أنّي رأيته الآن ، وشعرت بأدنى بادرة منه على

السّخرية والتقليل من شأني ، لكنت قتلته بالسّكين

فوراً .

انصرف الفوج الأول ، وتدفق الأولاد مندفعين

مبتهجين لاستعادتهم حريتهم ، فأسرع إلى زقاق

معركة الأمس ، مصمّماً على الانتقام ، في نفس

المكان الذي شهد انهزامه ، حتّى لا يشعر بالخجل

والعار كلّما مرّ به .

وقف عند الزاوية مترصداً الذاهبين والقادمين ، إلى

أن برز خصمه قادماً من بعد ، خفق قلبه في حين

اشتدّت قبضته على السّكين .. اختبأ عند المنعطف

محدثاً نفسه :

- سأباغته بطعنة في بطنه .. وأهرب .

حينما اقترب ذو المحفظة السّوداء ، وصار بمحاذاة

المنعطف ، برز له " رضوان " شاهراً سكّينه بيده ،

انتبه الولد لهذه الحركة السّريعة ، فتجمّد مكانه لا

يعرف ماذا يفعل ، فسارعه " رضوان " بهجمة تريد

أن تصل بطنه بطعنة خارقة ، وقبل أن يصل إليه ،

انقضّت يد جبّارة لرجل شاهد " رضوان " يمشي

خلف خصمه ، ولكنه لا يدري كيف غفل عنه .

زعق الرجل وهو يشد بقوة يد " رضوان " :

- ارمِ السّكين على الأرض ياكلب .. كدت تقتل ابني .

سقطت السّكين .. وصرخ " رضوان " :

- دخيلك ياحجي .. اتركني .

في تلك اللحظة شاءت الأقدار أن ينعطف " قدور ..

أبو سامح "، في هذا الزقاق ، ويبصر ابن أخيه،

فركض نحو الرّجل صارخا ً:

- " تترجّل " على ولد ياجبان .

- سألعن والده .. كاد يقتل ابني .

لم يحتمل " قدّور " وسدّد قبضة قويّة على عين

الرجل ، فترنّح الرجل بينما كانت يده تضغط مكان

الضّربة ، وبدأ الصّياح ، فالتمّ الأطفال حول

المتشابكين ، وفتحت النساء الأبواب وبدأن

بالصراخ .

وفجأة .. وبسرّعة فائقة .. انحنى الرجل والتقط

سكين " رضوان " وقبل أن يتفاداه العم " قدّور " ،

كانت السّكين قد استقرّت في بطنه ، تعالت

الأصوات .. والصرخات .. من كلّ صوب ، بينما

كانت عينا العم شاخصتين ، لقد أذهلته المفاجأة ،

وانطلق الرجل القاتل يعدو .. ومن خلفه ابنه ..

ووقف " رضوان " يبكي ، لا يعرف كيف يتصرّف ،

ولم يتحرّك إلاّ بعد أن خرَّ عمّه على الأرض ، فأخذ

الطفل " رضوان " يركض صارخاً :

- لقد قتل عمّي " قدّور " .. عمّي مات .

مصطفى الحاج حسين .


يتبعها ( الفصل الخامس )


 

رد مع اقتباس
غير مقروء 01-21-2018, 03:46 PM   #5
مصطفى الحاج حسين
لحن جديد


الصورة الرمزية مصطفى الحاج حسين
مصطفى الحاج حسين غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 925
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 أخر زيارة : 02-15-2018 (08:55 AM)
 المشاركات : 25 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Syria
 الجنس ~
Male
لوني المفضل : Azure
آخر تواجد: 02-15-2018 08:55 AM
افتراضي رد: رواية .. ( ملح السّراب )



كان يوماً فظيعاً ، كادت أمي أن تقتل أبي . لأوّل مرّة

في حياتي أراها تثور عليه .

أعرفها دائماً تتحمّل قسوته وضربه وثوراته،

لكنها فيما يبدو لم تعد تأبه به ، لقد فقدت صوابها ،

هجمت عليه عندما دخل علينا ، وضربته على رأسه

بعصا غليظة ، وهي تصرخ بجنون :

- تزوّجتها ياساقط !!! .. تزوّجت أم " عصّ" ؟!؟! ..

ترنّح أبي ، كاد يسقط ، تلمّس رأسه الملفّع "

بالجمدانة " ، سال الدّم فوق جبينه ، فنزع "

الجمدانة " ، صارخاً بغضب :

- أتضربينني يابنت الكلب !!! .. قسماً بالله لأخنقنكِ .

انطلق صوت أمّي على غير عادته ، قوياً كأنّه

نسي خنوعه ، وهي ما تزال ممسكة العصا بيدها ،

تقف متحّدّية متأهبة للعراك :

- أنا التي سأقتلك ، وأقتل أمّ " عصّ " الفاجرة ، ماإن

قتل زوجها حتّى خطفتك منّي !! .

صاح أبي وفي صوته شيء من الليونة :

- ماتزوّجتها إلاّ من أجل أولادها .. أولاد أخي ،

صاروا أمانة في رقبتي .

لكنّ أمي لم ينطل عليها هذا القول ، إنّها تكره "

نجوى " زوجة عمّي المرحوم ، فكيف تتقبّل فكرة

أن تصبح ضرتها ؟! .

زعقت بوجهه المدمّى :

- أمن أجل أولادها تزوّجتها ياحبّة عيني ، أم من

أجل " عصّها " ؟!! .. ألا تخجل من شيبك !!! .. أما

كفاك أن تبيع دم أخيك ، أتأكل زوجته وداره ؟!.

كان التّفاهم مع أمّي ، في تلك اللحظة مستحيلاً ،

لذا فقد خطا والدي نحو الباب ، ويده تمسح دمه

السّائل " بجمدانته " ، في حين كان يزعق ، وهو

يغادر الدار :

- نعم تزوّجتها ، وهي أفضل منكِ يابقرة ، فافعلي

ماتشائين .

وخرج أبي كالمهزوم ، غير عابئ بصياح أمّي

خلفه :

- رايح لعندها ياقليل الناموس !!؟ .. صار عندك

داران !.

ثم التفتت نحوي ، كنتُ واقفاً مع أختي

( مريم ) وأخوتي الصّغار ، نرقب ما يجري بخوفٍ

ودهشةٍ وحزن .

وبنظرة ملتاعةٍ منكسرة ، أمرتنا أمّي بالدّخول

إلى الغرفة الشّمالية .

مصطفى الحاج حسين .

يتبعها الفصل ( السادس )


 

رد مع اقتباس
غير مقروء 01-26-2018, 08:49 PM   #6
مصطفى الحاج حسين
لحن جديد


الصورة الرمزية مصطفى الحاج حسين
مصطفى الحاج حسين غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 925
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 أخر زيارة : 02-15-2018 (08:55 AM)
 المشاركات : 25 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Syria
 الجنس ~
Male
لوني المفضل : Azure
آخر تواجد: 02-15-2018 08:55 AM
افتراضي رد: رواية .. ( ملح السّراب )



رواية .. ( ملح السّراب )

الفصل ( السادس )

الكاتب : مصطفى الحاج حسين .

لقد نضجت ” سميرة ” ، سنوات وأنا أراقب نموّ

جسدها الأسمر ، وهاهي تبرعم ، وتشبّ طولاً ،

فتغدو أطول من أختي ” مريم ” . شعرها الأسود

يثير شهيّتي لاستنشاقه ، وأسنانها النّاصعة تجعلني

أحلم أن تعضّني ، دائماً أتمنّى أن تعضّني ، لا أدري

لماذا تسيطر عليّ هذه الرّغبة ؟! ، كلّما رأيتها تبتسم

فتنفرج شفتاها المكتنزتان عن تلك الأسنان

اللؤلؤية .

وذات يوم أردتِ أن أحتال عليها ، حتّى أحقّق

حلمي، فأخذت أتباهى أمامها بقوّتي وقدرتي على

التّحمل ، وحين أخذت تسخر منّي ، قلت :

– هذه يدي .. خذي وعضّي عليها بقوة ، مزّقي يدي

إن استطعتِ .. عندها سترين مدى احتمالي .

في البدء لم تقبل هذا التّحدي ، دفعت يدي

عنها ، وقالت ساخرة :

– أخاف أن تبكي .

صرختُ وكانت رغبتي ناراً تتأجج بداخلي :

– جرّبي ، لكِ أن تقطعي يدي ، إن استطعتِ أنا

أتحدّاكِ .

وانقضّت ” سميرة ” على يدي ، غرزت أسنانها

في رسغي ، وتوقّد ساعدي عندما لامسته شفتاها ،

وشعرتُ بنشوة لا توصف ، نشوة غريبة ممزوجة

بالألم والسّعادة ، فأخذتُ أهتفُ فرحاً :

– عضّيها أكثر ، بقوة فأنا لا أتألّم .

أحسستُ بأسنانها تنهشني ، تمضغ قلبي ، وتمنّيت أن

تطول هذه اللحظة إلى الأبد .

اكتشفتُ أنّ اللذّة تنبع من الألم ، لذّة مجنونة ،

فتأوهتُ من النّشوة ، وظننتُ أنّ دمي سيتدفّق من

خدّيَّ المحمرّين ، فمددتُ يدي لأشدّها من شعرها ،

انحنيتُ فوقها لأتنشّقه ، لكنّها سرعان ما تركت

يدي .. وابتعدت ، فهتفتُ أتظاهر بالانتصار :

– لقد هزمتكِ .. كسبت الرّهان .

واقتربت أختي ( مريم ) منّي ، استهواها

هذا التّحدّي ، قالت :

– تعال .. أعضّك أنا .

ولا أدري كيفَ .. ولماذا .. صفعتُها على

خدّها بقسوةٍ ، وخرجتُ .

مصطفى الحاج حسين .


يتبعها الفصل ( السابع )


 

رد مع اقتباس
غير مقروء 01-29-2018, 03:26 PM   #7
مصطفى الحاج حسين
لحن جديد


الصورة الرمزية مصطفى الحاج حسين
مصطفى الحاج حسين غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 925
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 أخر زيارة : 02-15-2018 (08:55 AM)
 المشاركات : 25 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Syria
 الجنس ~
Male
لوني المفضل : Azure
آخر تواجد: 02-15-2018 08:55 AM
افتراضي رد: رواية .. ( ملح السّراب )



رواية .. ( ملح السّراب )

الفصل ( السّابع )

الكاتب : مصطفى الحاج حسين .

كان ( سمعو ) جارنا في الزّقاق ، صديق

أبي يناهز الأربعين ، وهو يعرف القراءة

والكتابة ، لذلك عرضت عليه أن يعلّمني

كتابة اسمي بعد أن غدت صداقتي مع ابن

عمي ( سامح ) مستحيلة ، بسبب ماجرى

من قتل أبيه بسببي ، وزواج أبي من أمّه

( أم عص ) كما تسمّيها أمي. وكان( سمعو )

هذا عازفاً عن الزّواج مذ كان يافعاً ، وهو

كثير الشتم للنساء ، يعدّهن مخلوقات

تافهات لايستحقن سوى عود ثقاب ، ولم

نكن نحن الصبية نعرف سبب كرهه الشّديد

لهنّ .

وكان أهالينا يحذرونا من التّوقف مع

( سمعو ) ، فهو كما يزعمون ، وسخ ونذل ،

ولم نكن ندري أي نذالة بقصدون ، حتى أبي

صديقه وشريكه في تعاطي الكحول

والحشيش ، ضربني بشدّة عندما أبصرني

ذات مرّة أقف معه ، وأمرني ألّا أعود

للوقوف والحديث مع هذا الحقير .

وكثيراً ما كنت أتسأل لماذا يكثر والدي

إذن من زيارته مادام يراه كذلك ؟! .. ومع

كلّ هذا ، ومن شدّة لهفتي للتعلّم ، طلبت

منه أن يعلّمني القراءة والكتابة سرّاً ودون

أن يعلم أبي ، فوافق ( سمعو ) في الحال ،

وطلب منّي أن أتسلّل بعد العشاء إلى داره ،

حتى يباشر تعليمي ، وكنت أستطيع ذلك

طبعاً ، خاصة بعد زواج أبي من ( فطينة )

زوجة عمّي القتيل ، أمّ ( سامح ) ، فأبي

ينام في دارها ، وليس هناك غير تهديدات

أمي ، وعدم احتمالها لتصرفاتي .. وهذا أمر

سهل .

في المساء لم أطرق باب ( سمعو ) كان

موارباً ، دفعته وخطوت نحو العتبة ، وكان

يقف بانتظاري مرحباً بي :

- أهلاً ( رضوان ) ، كنت أعلم أنّه أنت ..

تفضّل .

خطوت في باحة الدٌار التّرابية الواسعة ،

بينما كان ( سمعو ) يقفل الباب خلفي ،

تسلّل شعور بالوحشة والخوف إلى قلبي ،

فهذه الدّار الكبيرة ليس فيها أي دليل على

الحياة ، فلا شجرة ولا نبتة صغيرة فيها .

وساقني إلى غرفته ، كانت واسعة مصقولة

الأرضيّة بالاسمنت الأسود، جلست على

حافة العتبة المرتفعة ، لكنّه طلب أن أخلع

حذائي وأدخل إلى الصدر لأجلس على

اللبّاد .

جلس إلى جواري ، بعد أن أحضر أوراقاً

وقلماً أزرق من الخزانة ، فقلت :

- هيّا نبتدي .

ابتسم ( سمعو ) فبانت أسنانه السّوداء

المنخورة ، وقال :

- ليس قبل أن نشرب قدحاً من الشّاي

العجمي ، وسيكارة على مزاجك .

قلتُ وأنا أحسُّ بالإنقباض والنّدم ، لأنّي

أجالس هذا الرّجل الكريه :

- لا داعي لذلك .. أنا على عجلة فأمّي

تنتظرني .

مدّ يده إلى جيبه ، أخرج علبة تبغه

المعدنية ، فتحها بأظافره وأخرج سيكارتين

ثخينتين ، وقال :

- طيّب ... خذ اشرب هذه ومن بعدها نبدأ .

- لا .. لا أريد .. أريد فقط أن تعلّمني .

- جرّب ودخّن هذه ، أنا أعرف أنّك تدخّن .

تناولت السّيكارة منه ، فكشّر ضاحكاً :

- فرخ البط عوّام ، أبوك لا يحبّ إلّا سكائري

هذه .

- لا .. لن أشربها إذاً .. هذه السّيكارة فيها

حشيش .. وقذفتها أمامه . فقال :

- طيّب جرّب .. ولن تندم .

- مستحيل .. مستحيل .

- حسناً كما تريد لا تغضب سأدخن وحدي .

أشعل السّيكارة فظهرت عيناه تلمع

مرعبتين ، وبعد أن سحب نفساً عميقاً ، قدّم

إليّ السّيكارة :

- خذ على الأقل نفثة واحدة .. هيَّا لا

تخجّلني .

ولأنّي أردتُ أن أنهي هذه القصة ، لنبدأ

بما جئت من أجله ، إقتربت من يده ،

ووضعت فمي على السّيكارة ، غير أنّه وفي

نفس اللحظة خطف قبلة من خدّي ،

فصعقتني المفاجأة ، وشممتُ أنفاسه

الكريهة:

- ماذا تفعل ياعم ( سمعو ) ؟؟!!.

وهممتُ بالنّهوض ، ولكنه لم يتركني ،

دفعني بعنف فارتميت على قفايّ ، وهجم

كالثور الهائج فوقي .. ألقى بثقله فوق

صدري ، ماسكاً يديّ ، في حين أحنى رأسه

وبدأ يقبّلني بجنون كالمحموم :

- دعني يا عم ( سمعو ) أرجوك ... أستحلفك

بالله ... أتركني .. أمّي تنتظرني .

وكان يدمدم وهو منهمك في تقبيلي ،

وأنفاسه المقزٌزة تثقب أنفي :

- لن أتركك تخرج من عندي ياروح أمّك ،

قبل أن أنال مرادي منك .

حاولت جاهداً أن أتملّص منه ، رجلاي

تضربان ظهره ، ويدايَ تحاولان الفكاك من

يديه .. فأحرّك رأسي يمنة ويسرة ، كيلا

بتمكّن من تقبيلي ... ولمّا وجد عنادي إلى

هذا الحد ، نهض إلى الخزانة بسرعة ،

وأخرج سكيناً لامعة ، قبل أن أتمكّنَ من

النّهوض ، لأتّجه إلى باب الغرفة الموصد ،

ولكنه سدَّ عليّ الطّريق ، وأمسكني :

- اخلع ملابسك وإلّا قتلتك .

تراجعت .. الذّعر سيطر على قلبي ،

وعيناه تقدحان شرراً ، والسّكين في يده

حادّة فظيعة :

- اتركني .. أرجوك .. أنا في عرضك .

- قلت لك تعرَّى .. وإلاّ ...

- يا عم ( سمعو ) أبوس رجليك .

وانقضّ على شعري ، يشدّه بعنف وبلا

رحمة ، لفَّ عنقي نحوه ، ثمَّ وضع السّكين

حوله ، وصرخ :

- هل ستتعرَّى .. أم أذبحك ؟! .

كانت عيناي تراقبان السّكين ، من خلال

الدّموع ، إنّها قريبة من عنقي ، بل هي

تلامسه .. فقلت باستيلام مرير :

- اتركني .. سأفعل ماتريد .

تركت يده المتوحّشة شعري، لكنّه ظلَّ

ممسكاً بي ، وهو يزعق :

- اخلع بنطالك

خلعت بنطالي وأنا بين يديه مثل فرخ

دجاج ، سقط البنطال على الأرض ، وأخذ

( سمعو ) يجسَّ لحم ساقي بقوّة ... تملّكني

شعور عارم بالخجل ، فأنا عار من الأسفل

تماماً ، طوال عمري لم أتعرَّ أمام أحد ، أمّي

تعجز بي أن تدخل الحمام عليَّ حتّى تفرك

لي ظهري ، وأنا أرفض ... تذكٌرت ( سامح )

ابن عمي ، وماحدث له في ( مقطع الزّاغ )

مع المجرم ( جمعة الكبّاج ) ورفاقه يوم

هرّبته من المدرسة ، وكيف تعرّض

للإغتصاب ، وكاد أن يموت ، لولا محاولة

إنقاذه ، التي كانت متأخرة .. ولكن هنا أنا

من سيخلّصني وينقذني من هذا المجرم

المتوحٌش ؟! .. كيف سأواجه أبي وأهلي ،

وأولاد الحارة ، الذين يسخرون من ( سامح )

حتى اليوم .

دفعني نحو الفراش ، فامتثلت خانعاً ،

وأمرني أن أخلع سترتي :

- ياعم ( سمعو ) أبوس ( قندرتك ) اتركني .

- اخلع سترتك وإلاّ ذبحتك ، ورميت جثّتك

في بئر الدّار .

وجدت نفسي عارياً تماماً ، أرتجف

وأبكي ، عاجزاً عن فعل أيّ شيء ... ألقى

بالسكين من يده ، وأخذ على عجل يخلع

عنه ( كلابيته ) ، وحين تغطّي رأسه ، ولم

يعد يبصرني ، وجدتها فرصة .. وانقضضت

ولا أدري من أين جأتني الجرأة وأخذت

السّكين ، وبسرعة ، وقبل أن تظهر عينا

( سمعو ) ، كانت السّكين قد انغرزت في

بطنه ، فصرخ يجأر كالذئب :

- آه ياكلب .. قتلتني .

عاودت طعنه من جديد ، مرّة ، ومرّتين ،

و .. لا أدري كيف كنت أفعل ذلك ؟!.. كان

كلّ ما أراه هو الدّم .. الدّم متدفّقاً من بطنه

وصدره ، يتخلّل شعر صدره الغزير ، وأنا

أنهال عليه بالطعنات بلا توقف ، أو رحمة ..

وهو يتراجع أمامي .. ثمّ هربت إلى باحة

الدار ، توجّهتُ إلى الباب ، ولكنّ الباب لا

يفتح .. إنّه .. إنّه مقفل ، والمفتاح مع

( سمعو ) ، نظرت إلى باب الغرفة ، فهالني

منظر ( سمعو ) واقفاً بدمائه ، يريد أن

يمسكني بيده اليسرى ، بينما كانت يمناه

تدفع أحشاءه المتدلّية إلى بطنه ، ركضت

في باحة الدّار مبتعداً عنه وأنا أصرخ ،

وكان يلاحقني ... وعدتُ إليه من جديد

وطعنته ، فاستطاع أن يمسكني ، بلّلني

بدمه ، فصرختُ بقوّة ، كانت عزيمته قد

خارت ، فحاولت التّملص من بين يديه ،

نزعت نفسي وجريت .. تناهت أصوات

النّاس خارج الدّار ، يطرقون الباب علينا ،

وصراخي لا ينقطع ، والباب مقفل لا يفتح ،

والباحة التّرابية امتلأت بقعاً حمراء من الدّم

الدّاكن ، و( سمعو ) لم يشأ أن يسقط ميّتاً ،

ظلّ يطاردني ، وها أنا أعود لطعنه من

جديد ، بسبب خوفي ورعبي ، وعيوني

تراقب الباب وهو يدفع بقوة و ... وإنكسر

الباب أخيراً .

وتدفق من خلفه الرّجال والأطفال ، هرعت

نحوهم وأنا أصرخ .. ناسياً عري .. كل ما

أذكره أنّهم هرّبوني عارياً إلى بيت عمي

المرحوم ، والد ( سامح ) الذي تزوج والدي

أمّه ، حيث كان البيت قريب من دار

( سمعو ) ، وكان أبي هناك .. جميعهم

استقبلوني بفزع ودهشة .. أرتميت أمامهم

عارياً والسّكين بيدي تقطر دم العم ( سمعو ) .

مصطفى الحاج حسين .

يتبعها ( الفصل الثامن )


 

رد مع اقتباس
غير مقروء 01-31-2018, 07:16 PM   #8
مصطفى الحاج حسين
لحن جديد


الصورة الرمزية مصطفى الحاج حسين
مصطفى الحاج حسين غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 925
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 أخر زيارة : 02-15-2018 (08:55 AM)
 المشاركات : 25 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Syria
 الجنس ~
Male
لوني المفضل : Azure
آخر تواجد: 02-15-2018 08:55 AM
افتراضي رد: رواية .. ( ملح السّراب )



رواية .. ( ملح السّراب )

الفصل ( الثامن )

الكاتب : مصطفى الحاج حسين .

إنتشر الخبر وتسرّب بين الأولاد في كلّ

أزقّة البلدة ، والكل صار يعلم أنّ المدعو ( زكور

الصّخلة ) الملقّب بأبي ( درخوش ) وهو صاحب

حمير ( التّشباية ) التي يقودها صباح كلّ يوم أحد ،

من أيّام الرّبيع ، إلى البازار ليتكسّبَ بها بضعة

نقود .

حيثُ كانَ الأولاد يتجمّعونَ ، ومنهم من

يهرب من المدرسة ، بدافع الفضول والرٌغبة

في رؤية عمليّة ( التٌشباية ) شاعرينَ

بالمتعة والإثارة ، مشدوهين ، مسلوبي

الأبصار ، ضاحكين ومهتاجين .

وكان أبو ( درخوش ) المعتاد على

القيام بهذه العمليّة ، منهمكاً بها إلى درجة

الانفعال ، يسحب الحمارة التي ستحبل

اعتباراً من هذا اليوم ، ويتركُ حماره الضّخم

يقترب من الحمارة ، بضعة دقائق يتشمّمها

حتّى يثار ويهتاج ، فيقترب منهما أبو

( درخوش ) ويهمس بأذن حماره ، كلمة

( زقردو ) فيقفز الحمار ، ويعتلي بقوائمه

ظهر الحمارة ، آخذاً بعضّها من ظهرها ، في

تلك اللحظة ينتبه أبو ( درخوش ) لوجود

الأطفال وهم مثارون ومهتاجون ويصرخون

ويصفّرون ، فيصرخ بهم غاضباً :

- إذهبوا من هنا يا أولاد ( القحبة ) والله يا

( عرصات ) لو أمسكتُ واحداً منكم بيدي

لتركت الحمار يفعل به ، مايفعله مع هذه

الحمارة .

ويتابع كلامه وهو أكثر هياجاً حين يرى

قهقهات الصّغار الخبيثة :

- إذهبوا ، تفرّجوا على آبائكم وأمٌهاتكم .

ثمّ يردف قائلاً جملته المعروفة :

- ( جيل بندوق ) .

بعد ذلك يخرج من جيب ( شرواله )

الأسود ، علبة دخانه الصّدئة ، ويبدأ بدرج

سيكارته الغليظة ، متناسياً أنّه قبل قليل ،

أمسكَ بيديه عضو حماره ليضمّه في

الحمارة .

ولكن الجديد في الأمر ، هو الخبر

السّار الذي إنتشر مؤخّراً ، ومفاده أنّ أبا

( درخوش ) قد افتتح فرعاً خاصّاً ، من أجل

تقديم المتّعة للأولاد . يأخذ من الولد ربع

ليرة مقابل أن يسمح له بالإختلاء ( بالكرٌة )

الزّرقاء التي اشتراها لأجل هذا .

قرر ( رضوان ) وابن عمّه ( سامح )

وبعض رفاقهم من أولاد الحارة ، الذهاب

إلى دار أبي ( درخوش ) ، وكان عددهم

عشرة حينما طرقوا بابه . خرج عليهم ( أبو

درخوش ) وكان مبتسماً ، وكانت هذه أوّل

ابتسامة يروها له ، قال مرحّباً :

- أهلاً وسهلاً بالشباب ، تفضّلوا .

ولمّا كان الحياء يمنع الأولاد من الكلام ،

لتوضيح سبب مجيئهم ، لكن أبا

( درخوش ) عرف ذلك فقال بعجلة :

- أدخلوا ، لا يجوز أن يراكم أحد واقفين

هكذا .

دخل الأولاد وهم في أشدّ أنواع الحرج

والإرتباك ، صاروا وسط باحة الدار الخربة ،

وأخذوا باشعال السّجائر ليواروا خجلهم

واضطرابهم ، عاد أبو ( درخوش ) بعد أن

مدّ رأسه داخل الغرفة ، وتكلّم بضع كلمات

مع ( حليمة ) زوجته التي تتردّد حولها

شائعات تقول بأنّ زوجها أبو ( درخوش )

يسمح للرجال بالنٌوم معها مقابل عدّة

ليرات ، متّخذاً الغرفة الوحيدة مقرّاً لذلك ،

بينما يتمشّى هو في باحة الدّار .

قال أبو ( درخوش ) موجّهاً كلامه

للصبٌية :

- حظّكم جيّد ، منذ قليل انتهيت من تغسيل

العروس .

تشجّع ( عثمان ) وهو يكبر رفاقه

بالسٌن ، فقال :

- نحنُ يا أبا ( محمود ) ..

هكذا كانوا ينادونه في حضوره ، لأنٌ لقبه

يطلق عليه في غيابه ، لكنّ بالطّبع كان

يعرف هذا اللقب .

- نريد أن نعرف كم ستأخذ منّا ، مقابل أن

تتركنا مع العروسة ؟

كتم أبو ( درخوش ) ابتسامته ، وقطّب

وجهه القبيح متّخذاً طابع الجّد والتفكير ،

رفع يده وأخذ بأصابعه المثقلة بالخواتم

الحديدية ، يفتّل ( شواربه ) الغليظة

كسيكارته ، وقال :

- سآخذ ربع ليرة فقط من كلّ واحد منكم .

قاطعه ( عثمان ) وقد زال عنه حياؤه

واضطرابه :

- ياأبا ( محمود ) ، نحن كثرة ، نريد أن نتّفق

معك على الجّملة ، والجّملة غير المفرّق .

عادت الابتسامة المصحوبة بالزّبد

واللعاب ، ترتسم على فمه الواسع التّكشيرة

والمرصّع بأسنانٍ ذهبيّة متفرّقة :

- أنتم معذورون ، لأنّكم لا تعرفون العروس ،

لكن أقسم لكم بشرفي الذي لا أملك غيره ،

وليس لكم عليّ يمين .. بأنَّ هذه العروس

الزّرقاء لا مثيل لها ، فهي من تركيا أصيلة ،

ذات حسب ونسب ، جميلة وصغيرة ، لا

تغدر ولا تقاوم وهذا شيء تحمد عليه ، ولا

تهرب من فارسها ،وهذه ميّزة حسنة وهي

لا تنزعج من الإقتراب منها ، وهذه عادة

رائعة ومن النادر توافرها في غيرها ، إنّها

لطيفة وحسنة المعشر ، ولا تصدر صوتاً أو

نهيقاً .. وهي نظيفة حيث أغسلها بالماء

والصابون ، وأقوم بتعطيرها ، فرائحتها

طيبة ، والأهم من كلّ ذلك ، وأقسم لكم

بشرفي الغالي أنّني لا أطعمها غير الشّعير

النظيف والغالي الثمن ، وأنتم تعرفون كم

سعر الكيلو غرام منه ، إنّها تكلفني الكثير ،

بغضّ النظر عن تعبي واهتمامي الدّائمين ،

هل تعلمون أنّني لم أضعها مع زملائها

الحمير خوفاً عليها منهم ، فهي جميلة وصغيرة

، ولقد اختلفت مع زوجتي ( أم محمود ) بسببها ،

لأنّني الغيت المطبخ ، وخصّصته لها ، وصرنا نطبخ

في غرفتنا الوحيدة ، لكي أضعها في بمفردها ،

ليأخذ الزّبون راحته معها .. هل كثير بعد كلّ هذا

مبلغ الربع ليرة ؟ .

قال ( عثمان ) بأعصاب باردة :

- ونحن يا أبا ( محمود ) لن ندفع لك سوى

( فرنكين ) على الواحد منّا .

أرادَ أبو ( دَرخُوش ) أن يتكلّم ، لكنّه توقّف

بعد أن نظر إلى الأولاد بعينيهِ المعمصتينِ

نظرة توحي باللومِ والعتابِ ، واتّجهَ نحو

الزّريبةَ الخاصّةَ بالعروس :

- تفضلوا .. القوا نظرة عليها ، قسماً بشرفي ،

والشّرف غالي كما تعرفون .. منذ يومين

حمّمتها ( بالكالونيا ) .

إمتطّت أعناقَ الفتية الصغار ، واندسّت

رؤوسهم من خلال الباب الموارب ، ناظرينَ

إلى ( العروس ) الواقفة بكلَّ استكانة ،كانت

بحجم النّعجةِ ، ولمحوا في جسدها وقوائمها

بعض الجّروح المدّماة ، والذباب يتطاير

فوقها بكثرة ، كانت مربوطة بالرَّسن

وقوائمها الأربع موثقة بحبلٍ متينٍ وغليظٍ ،

بينما كان رأسها الكبير مزيّناً بباقة وردٍ

حمراء اللون ، جافة الأوراق ، أمّا عيناها

الواسعتان ، فقد غطّاهما الدّمع والوسخ

الأصفر :

- انظروا بأنفسكم ، واحكموا .. بذمّتكم ألا

تستحقّ الرّبع ليرة ؟! .

كرّر ( عثمان ) موقفه الذي بدأ يضايق

الأولاد جدّاً ، فهم على عجلة من أمرهم :

- ( فرنكين ) فقط يا أبا ( محمود ) .. وإلّا

دعنا نخرج .

حينما أدرك أبو ( درخوش ) ثبات موقف

الأولاد .. أجاب :

- على بركة الله .. إتّفقنا .. هاتوا النقود

سلفاً .

أخرج كلّ من الأولاد ( فرنكين ) أصفرين

من جيوبهم ، وسلّموا جميعهم النقود لأبي

( درخوش ) الذي قال :

- تفضّلوا .. ولكن بالدّور طبعاً ، و بسرعة.

دخل ( عثمان ) الزّريبة في البداية ، وأغلق

الباب الخشبي خلفه . ووقف الجّميع في

باحة الدار يدخّنون وينتظرون ، يسيطر

عليهم الخوف والإضطراب والقلق ، بينما

أسند أبو ( درخوش ) ظهره إلى الحائط ،

منهمكاً بدرج سيكارته .

كان ( رضوان ) آخر من دخل على

( العروس ) ، وكان كثير من الحيرة وغير

قليل من الإرتباك يسيطران عليه ويضغطان

على أعصابه . فكَّ أزرار البنطال ، أنزله إلى

الركبتين ، إعتلى الحجر ، وقف بشكل

مناسب تماماً .

كانت ( سمر ) الشّقراء في مخيّلته ،

( سمر ) الرائعة الجمال ، زوجة رئيس

المخفر ( أبي ضرغام ) الذي يخافه جميع

أهل البلدة ، بمن فيهم والده ، الذي وقع

تحت رحمة سوطه مدّة ثلاثة أيام ، بحجّة

تعاطيه الحشيش ، ولم يفرج عنه ، إلّا بعد

أن أخذ منه مئتي ليرة رشوة ، وإذا كان أبو

( ضرغام ) مكروهاً من قبل أهل البلدة ، فإنَّ

حبهم جميعاً كان منصبّاً على زوجته الشّقراء

( سمر ) ، كانوا يحبونها إلى درجة العشق ،

فهي الوحيدة التي تخرج إلى الحارات

سافرة دون ملاية سوداء ، متبرّجة معطّرة ،

ولطالما وقف ( رضوان ) أمام باب بيتها الذي

لا يغلق ، ليراقب حركات جسدها اللدن ،

الذي لا يفارق خياله .

بينما كان ( رضوان ) سارحاً بخياله ،

فاجأته ( العروس ) بنهيقها العالي ، فجفل

وانسحب بسرعة ، وخرج ملوثاً ، وهو في

أشدّ حالات الضّيق ، فأخذ ( سامح ) ورفاقه

يضحكون منه بصخب ، حتى خيّل له أنَّ

السّماء والجّدران الحوّارية المتهالكة

تشاركهم قهقهاتهم تلك ، ومنذ ذلك اليوم ،

ورفاقه يضحكون منه كلّما صادفوه ، وقد

أطلقوا عليه لقب ( العريس ) .

لكن ماحدث بعد ذلك ، شيء فظيع ، فبعد

أيام بدأ ( رضوان ) يشعر بالحكّة ، وأخذت

تتزايد ، ثم برزت بثور ناعمة صفراء ،

إنتشرت سريعاً ، حتى إكتشف،أهله الأمر .

مصطفى الحاج حسين .
يتبعها الفصل ( التاسع )


 

رد مع اقتباس
غير مقروء 02-07-2018, 04:02 AM   #9
مصطفى الحاج حسين
لحن جديد


الصورة الرمزية مصطفى الحاج حسين
مصطفى الحاج حسين غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 925
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 أخر زيارة : 02-15-2018 (08:55 AM)
 المشاركات : 25 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Syria
 الجنس ~
Male
لوني المفضل : Azure
آخر تواجد: 02-15-2018 08:55 AM
افتراضي رد: رواية .. ( ملح السّراب )



رواية ... ( ملح السّراب )

الفصل ( التاسع )

الكاتب : مصطفى الحاج حسين .

انتبه إلى نظراتها المرسلة إليه ، نظرات

حارّة فيهن مناداة وصخب ، تلفّت حوله ،

استطلع وجوه الرّكاب ، فتيقّن أنّ نظراتها لا

تقصد سواه .. فأخذ يبادلها النظرات من مكانه .

كانت جالسة على المقعد ، لا تفصله

عنها سوى بضعة مقاعد ، وشعر بأنّها تبتسم له ،

فأراد أن يردّ على ابتسامتها ، حتّى يجعلها تفهم

أنّه فهم مغزى نظراتها وابتساماتها ، وأراد أن يتقدّم

نحوها ، لكنّ الزّحام الشّديد منعه من التّحرك ،

رجال ونساء وأطفال وأمتعة ، تقف متراصة في

طريقه .. فقرّر أن ينتظر الفرصة السّانحة ،

حتّى يهرع إلى كرسيها ، ويقف بالقرب منها

يتبادل النّظرات معها عن كثب ، ويطلب منها

النّزول .

تلمّس جيبه ، وقال في سرّهِ :

- النقود تكفي .. أستطيع أن أدعوها إلى أيّ

مكان تختاره .

وعاد ليتمعّن بها من جديد ، فوجدها

كببرة عليه ، فهو يصلح أن يكون من سنّ

أولادها :

- لو كانت أصغر من هذا السّن ، لكنتُ أخذتها

إلى السّينما ، وهناك عندما تنطفئ الأنوار

يبدأ عملي .

هكذا كان يفكّر ، وفجأة داهمه إحساس

بأنّه يعرف هذه المرأة !! .. فوجهها ليس

غريباً عليه .. وأخذ يتذكّر .

ولكن فكرة انبثقت في رأسه ، جعلته ينسى

حكاية شكلها المألوف :

- نعم .. ماذا لو أخذتها إلى العمارة ، التي أعمل بها

مع والدي ؟ .. أغافل الحارس ، وأتسلّل بحذر

برفقتها إلى الملجأ .

لا .. لا .. المكان غير مناسب ، فالملجأ مليء

بالأحجار والأتربة ، والأفظع من كلّ هذا ، أنّ العمال

لا يقضون حاجاتهم إلاّ في هذا المكان ، البعيد عن

الأنطار .

إذاً .. أين ينبغي عليه أن يأخذ هذه المرأة ،

التي لم تحوّل نطراتها عنه ، طوال الطريق ؟ .

هل يعرض على الحارس " حسن " أن

يسمح له بغرفته بعض الوقت ؟ .. " فحسن"

يملك فراشاً على الأقل ، وإن كان هذا

الفراش حقيراً ووسخاً ، سيحتمل روائح

الغرفة الكريهة بعض الوقت ، وإلاّ إلى أين

سيذهبان ؟ .. لا مكان آخر يمكنه أخذها إليه.

- فكرة أن أذهب معها إلى بيتها مرفوضة

بالتأكيد ، لأنّي أخاف من مكائد جنس

حوّاء ، فربما كان لهذه المرأة هدف آخر من

اصطحابها لي ..نحن اليوم في مدينة

( حلب ) وفي حلب لا أمان ، وخاصة من

النساء .. لن أذهب معها إن عرضت عليّ ،

حتّى وإن اضطررتُ لتركها ، فإن شاءت

ذهبت معي ، وإلاّ فهي حرّة .

وتساءل إن كان " حسن " يقبل أن يعطيه

غرفته بعض الوقت ؟ .. أليس من الجائز أن يخبر

والده ، ويسبب له فضيحة ليست في الخاطر ؟.

- سأقنعه .. سأدفع له نقوداً ، وإن أراد ، فلا

مانع عندي أن يشاركني على صاحبتي ، ماذا

سأخسر ؟.. إن سمحت له ، أن يشاركني

عليها !! .. هل هي زوجتي ؟ .. هي مجرد

عاهرة لا أكثر ، ولكن .. سأشترط عليه ، أن

لا يلمسها قبلي ، لأنّي أنا الذي اصطدتها ،

في البداية سأتمسّك بموقفي ، حتى إن

وجدته مصمّماً ، على أن يسبقني ، وهو

سيفعل بالتأكيد ، لأنّه أكبر منّي في العمر ،

وهو خنزير وأنا أعرفه حق المعرفة ، أقول

إن صمّم ، فلن يكون بوسعي أن أفعل معه

شيئاً ، لأنّي اليوم بحاجته ، ثمّ ماذا يضير

إن كنتُ صاحب الدور الثاني ؟! .. المهم لن

أدع هذه الصّيدة تفلت منّي .

وتذكر " سامح " ابن عمه ، الذي لا

تعجبه فوضى " رضوان " ، فقال :

- فالتنعم أنت يا( سامح ) في دراستك ،

التي جعلتك لا تعرف من الدنيا شيئاً

غيرها ، فهنيئاً لك بكتبك ، وهنيئاً لأمّك ( أمُّ

عص ) بهده الدراسة التي فرضتها على

والدي ، يوم وافقت على الزواج منه .. أمّا

أنا فهنيئاً لي بهذه المرأة ، التي أشبعتني

نظرات وابتسامات .

وكان كلّما أكّد بوجهها ، تضاعف شعوره

بأنّها ليست غريبة عنه ، ولكنّه لا يذكر أين

ومتى رآها ؟! .

وتوقفت الحافلة ، عند موقف " باب الحديد " ،

وعلى الفور نهضت المرأة تريد النزول ، فأسرع "

رضوان " ليهبط من الباب الثاني ، قبل أن يفقدها .

قفز فوق الرصيف ، تلفّت حوله يبحث

عنها ، فوجدها على بعد خطوات ، تقف

وتنظر إليه .. تحرّك نحوها ، شاعراً

باضطراب شديد ، فهو لأوّل مرة في

حياته ، يتعرّض لمثل هذا الموقف .

وصل إليها وهو يرتعش ، لذلك كان

ينظر إلى الأرض ، لأنّه شعر بعدم قدرته

على النّظر في عينيها عن كثب ... وفجأة كلّمته :

- إلى أين كنت ذاهباً ؟ .

رفع رأسه قليلاً ، هذا الصّوت ليس

غريباً عليه !! .. وكانت دهشته كبيرة ، غير

متوقعة !!!! .. فصرخ مذعوراً ، دون أن

ينتبه ، وقد اعتلى وجهه الخوف والشحوب:

- أنتِ .. ؟!؟!.. غير معقول !!!.

- ومن كنت تطنني طوال الطّريق ؟!

رد بتلعثم وارتباك شديدين :

- ظننتكِ ...ظننتكِ ..

وتحجّر لسانه .. واختنقت عباراته ..

فما كان منه .. سوى أن يطلق ساقيه

للهروب .. ركض .. تلفّت .. ارتطم بالمارة ..

وأمه مندهشة .. مما أصاب ابنها " رضوان "

وكانت تنادي خلفه :

- تعال يا بني .. ساعدني بشراء الخضار .

مصطفى الحاج حسين .
يتبعها الفصل ( العاشر ) .


 

رد مع اقتباس
غير مقروء 02-15-2018, 08:43 AM   #10
مصطفى الحاج حسين
لحن جديد


الصورة الرمزية مصطفى الحاج حسين
مصطفى الحاج حسين غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 925
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 أخر زيارة : 02-15-2018 (08:55 AM)
 المشاركات : 25 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Syria
 الجنس ~
Male
لوني المفضل : Azure
آخر تواجد: 02-15-2018 08:55 AM
افتراضي رد: رواية .. ( ملح السّراب )



رواية … ملح السراب
الفصل العاشر

صراخ أمّي وأختي ” مريم ” ، جعلني

أدرك أنّ أبي مات .

أسرعت إليه ، سرقت نظرة نحوه من

النّافذة ، ثم دخلت .. كانت أمّي قد أسبلت

جفنيه ، وكان وجهه المحروق بأشعة

الشّمس ممتقعاً ، شديد الزّرقة ، أسبوع وهو

يعاني سكرات الموت ، من يوم أن أصيب

بالفالج ، أنبأنا الطّبيب بقرب موته ، ولكنّني

لم أصدق ، لا يعقل أن يموت أبي ، هذا

الرّجل الجبار ، إنّ صوته كفيل بأن يرعب

ملك الموت ” عزرائيل ” ، انحنيت فوقه ،

أردت أن ألثم جبينه البارد ، ولكنني

اكتشفت أنّ عينيّ عاجزتان عن ذرف

الدّمع ، هالني هذا الإكتشاف .. لقد مات

أبي .. وينبغي أن أبكي ، على الأقل

مجاملة ، أمام أمّي وأختي وزوّجة عمّي

المرحوم التي صارت زوجته ، و ” سميرة “

ابنتها ، حسدتهنّ على دموعهنّ المرأة دائما

جاهزة للبكاء .. يالسعادتها !!!.

مات أبي ، تلك هي الحقيقة ، وعليّ أن

أسلم بها ، وتيقنت أنّ الموت شيء رهيب ،

أقوى من أبي ، النّساء الأربع يبكينه .. ولا بدّ

أنهنّ ينتظرن منّي فعل ما يليق بهذه

المناسبة ، ابتهلت إلى الله أن يمنّ عليّ

بدمعة واحدة ، لعنت الشّيطان الرّجيم في

سرّي ، صممت أذنيّ عن سماع صراخه :

ـ لقد أصبحت حرّاَ طليقا .

ـ ابتعد .. أيها الشّيطان القذر ، فأنا

أحبّ أبي ، رغم كلَّ شيء ، لقد سامحته .

لكنّ الماكر يهمس لي :

ـ هل تصدق بكاء أمّك وأختك ، على

أبيك ؟!.. أم تصدّق بكاء زوجته التي ورثها

عن عمك مع ولديها ” سميرة وسامح ” ،

إنهنّ يتظاهرن بالبكاء ، وهذا الدّمع ليس إلآ

حيلة نسائية ، لقد كان أبوك قاسياً عليكم

جميعاً ، فكيف يبكين عليه بصدق ؟؟!!.

ـ ابتعد عنّي ياخبيث ، إنّ الذي تتحدّث

عنه ، هو أبي ، لقد أفنى عمره تحت أشعة

الشّمس اللاهبة ، من أجلي وأجل العائلة ، أنا

من دونه لا أساوي شيئاً ، لقد أصبحت

يتيماً ، لا معين ولا سند .

تحوّلت دارنا إلى مناحة بشكل سريع ،

توافد الجيران على بكاء وصراخ النّسوة

الأربع ، ووصل الخبر إلى الأقارب ، فبدؤوا

بالتوافد ، وها هي العجوز ” أم صطُّوف “

تنهضني عن صدر أبي ، وقفت حائراً .. ثمّ

أسرعت إلى غرفتي ، وعلى الفور ، بللت

إصبعي بلعابي ، ثمّ دهنت جفنيّ .

ما أشدّ حاجتي للبكاء ، حقدت على

عيوني ، لأنها لا تسعفني بالدّمع ، في هذه

اللحظات الحرجة ، ماذا سيقول النّاس

عنّي ؟!.. لم يذرف دمعة على أبيه !!!..

ولكن أنّى لي بالدّمع ؟!.. لقد تأمرت عليّ

عينايّ .. الشّيطان هو السّبب ، ما يفتأ

يوسوس :

ـ فليشبع موتاً … فليشبع .

حاولت أن أخنق صوته ، أن أهرب منه ،

بسملت ، قرأت الفاتحة على روح والدي ،

لكنه كان لي بالمرصاد ، راح يدغدغ

أعماقي ، وها أنا أبتسم .. إبتسامة عريضة ،

رباه ما هذا ؟؟؟!!!… أيعقل … أن

أبتسم ؟!.. أبتسم .. بينما ينوح النّاس ..

ويندبون أبي !!!… صفعت خدّي بقوة ..

شددت شعري بعنف .. لتدمع عينايّ ، ولكن

دون جدوى !!!… لقد كنت أبتسم ، وسمعت

أعماقي تدندن أغنية ، لا تتناسب مع ما أنا

فيه .. كرهت نفسي .. ألهذا الحدّ أنا حاقد

وسافل ؟!.. البكاء في الخارج بلغ أوجه ،

النادبات كثرن، وأنا مغلق على نفسي الباب ،

لا أجرؤ على الخروج .. زوج عمّتي يصرخ

في النّسوة ، أن يرحمن الميت من البكاء

والندب ، فالبكاء يعذّب روحه الطّاهرة ،

وعاد الشّيطان يسألني :

ـ وهل تعتقد انّ روح أبيك طاهرة ؟؟..

وقهقه الوغد .

ـ نعم .. إنها طاهرة ، لقد عاش شريفاً ..

وشريفاً مات .. لم يطعمنا إلاَّ من عرق

جبينه .

همس :

ـ هل نسيت أنّه سبب حرمانك من

المدرسة ؟.. وأنه أجبرك على العمل معه في

مهنة لا تطيقها ؟..في حين سمح ” لسامح “

بمتابعة دراسته ، نزولاً عند رغبة أمّه ” أمُّ

غص ” و هل نسيت كيف كان يضربكم أنت

وأخوتك وأمّك ؟؟.. هل .. وهل ..؟؟؟!!!.

حاولت أن أجيب هذه المرّة بهدوء ..

عساه ينصرف :

ـ مع هذا أيها الشّيطان المحترم ، يبقى

هذا الميت أبي ، كان يقسو عليّ حتى يصنع

منّي رجلاً ، هكذا كان يقول لي ، أراد أن

يعلّمني مهنة شريفة .. ثمّ إنّه لم يكن يبخل

علينا بشيء ، صحيح أنّه عصبيّ المزاج ،

يده والضّرب ، ولكنّه بالمقابل كان حنوناً ..

ويحبّنا ، إنّه من النّوع الذي لا يظهر

عواطفه ، حتى لا نطمع .. أنا أفهم أبي

جيداً .. وبخاصّة في الفترة الأخيرة ، حيث

صار يشتري لنا الطّبخة على مزاجي .. قال

لأمّي :

ـ اطبخي .. ما يطلبه ويحبّه” رضوان ” .

ألا يكفي هذا التّنازل ؟؟.. وفوق ذلك .. كان

يفكر أن يزوّجني ” سميرة ” ، إنّ موضوع

موافقته على زواجي من ” سميرة ” ، شيء

عظيم وكبير بالنسبة إليّ .. إذاَ ابتعد عنّي

أ يّها الشّيطان .. فأنا خجلان من نفسي ،

دعني أذرف دمعة واحدة أمام النّاس

بسلام .

جاءني خبط شديد على الباب ..

وأصوات تنادي :

ـ ” رضوان ” .. افتح يا ” رضوان ” .

أيقظني هذا الصوت ، إنّها أمّ ” حسن ” عمّتي

الغالية ، تهتف مرّة أخرى :

ـ أنا خائفة على الولد … اكسروا

الباب .

وجدت نفسي مضطراً لفتح الباب ،

قمعت ابتسامتي .. ورسمت علامات الحزن

والأسى ، فإذا ب ” سامح ” ، يطالعني

بوجهه الأصفر .. شعرت بالإبتسامة توشك

أن تتسرب إلى شفتيّ ، فأسرعت لأرمي

رأسي على صدره الضّيق ، حتى أداري

سوأتي اللعينة ، ضمّني إلى صدره بحنان ،

وأخذ ينتحب بشدّة ، يبكي الجميع إلآيّ ، ألآ

ما أشدّ خجلي وتعاستي .. ليتني كنت

الميّت بدل أبي .

خارج الدار ، كان الجميع من رجال

العائلة ، والجيران .. مجتمعين ، شاهدت

المغسل ، ثمّ التّابوت ، فاقشعر جسدي

لمنظرها البارد ، وتخيّلت والدي ملقى على

المغسل ، وهم يصبّون فوقه الماء ، وتذكّرت

أنّه لا يطيق الماء السّاخن ، فخطرت في

ذهني فكرة خبيثة :

ـ ماذا سيفعل أبي .. لو سكبوا عليه ماء

ساخناً ؟.. هل سيزعق في وجه أمي .. مثل

كلّ مرّة ؟.. هل سيضربها ويلعن أباها ؟؟.

جعلتني هذه الفكرة أبتسم من جديد ..

اقترب جارنا ” أبو فجر ” منّي ، أخذ يدي

بأسى :

ـ العمر لك يا بني … العمر لك ..

وكادت تفلت منّي قهقهة عنيفة ، حينما

فكّرت أن أردّ عليه ، لكني أحجمت بسرعة ،

اللعنة عليك يا ” أبا فجر ” ، دعني

وشأني ،أسرعت بالهرب ، عيون النّاس

تطاردني ، عبارات الأسى والشّفقة والتّعزية

تثقبني ، وأنا هارب من النّظرات التي لا

ترحم ، والتي إن استمرت لكشفت

حقيقتي ، وربما بصقوا عليّ لو رأوا

ابتسامتي ، ربما ضربوني ، وداسوني ،

الهرب .. الهرب أفضل وسيلة ، ولكن إلى

أين ؟!.. إلى المقبرة .. وهناك .. سأنتظر

مجيئهم حاملين والدي على الأكتاف .

في الجبانة … جلست بمفردي ، أنتظر

قرب قبر جدي ” الحاج رضوان ” ، في البدء

تلفّت حولي ، ولمّا أدركت أنّي وحيد ، في

هذا المكان الموحش ، أزحت عن وجهي

اللثام ، وصرخت :

ـ السّلام عليكم ياجدي … أنا حفيدك

” رضوان ” ، جئت لأزفّ إليك بشرى ، ابنك

” محمد ” والدي .. توفّي ، وهاهم

يجهزونه .. ليدفنوه قربك ، هكذا أوصى

قبل موته ، مع أنّه كان لا يحبّك ، كان دائماً

يردّد :

ـ الله لا يرحمه .. ولا يسامحه ،

والمقصود أنت يا جدي ، أتدري لماذا ؟..

لأنك ظلمته ..لكنّه ياجدي بدوره ظلمني

وظلم أخوتي ، أنت قسوت عليه ، وهو

مثلك تماما ، حرمنا من المدرسة جميعنا ،

وأجبرني لي على الشّغل معه ، في الصّنعة

التي فرضتها أنت عليه ، لقد انتقم منك

بي .

حدّثنا عنك كثيراً ، كيف كسرت يد

جدّتي “عيوش ” ، يوم تأخّرت عند والدها

المريض ، وكيف صارت تحمل عمّتي

الصّغيرة ، بأسنانها مثل الجروة ، لقد تعذّب

أبي معك كثيراً ، لذلك عذبنا أنا وأخوتي

وأمّي ، أنت سبب البلاء كلّه ياجدي ، فلا

تطلب منّي ان أحبّك .

أنت بخيل … إلى درجة لا تصدق ، أبي

على الأقل لم يكن يبخل علينا بشيء .

كان أبي لا يشبع الطعام .. في حضورك ، مع

أنّه يعمل معك طوال النّهار ، في حمل

الأحجار ،حتى إنّ جدّتي “عيوش ” ، كانت

تكمل أكلها في المطبخ ، بعيداً عنك ، ومن

أجل المال بعت عماتي الثلاث ، فماذا تنتظر

منّا نحن أحفادك ؟؟.. من حسن الحظ ، أنّك

متّ قبل أن نراك ، رغم أنّي كنت أشتهي أن

يكون لي جد كباقي الأولاد .

ومن بعيد … لمحت جمعاً غفيراً ،

يتوجّه إليّ .. صمتُّ وانقبض قلبي ، حين

أبصرت النّعش محمولاً على الأكتاف ، قفزت

إلى ذهني صورة أبي محشوراً في التّابوت ،

شعرت نحوه بالأسى والحزن ، نظرت إلى

القبر المحفور قربي ، كان منظره مقرفاً

ومخيفاً ، كيف سيدخل ابي هذا القبر

الضّيق ؟!.. لماذا لا نطلي جدرانه الرّطبة

بالإسمنت ؟.. إنّ الاستلقاء فيه على هذا

النّحو غير مريح .

في تلك اللحظة … دمعت عينايّ ،

شعرت بالغبطة .. والرّاحة .. تعمدّت ألاَّ

أمسح دموعي ، حتى تصل إليّ الجنازة ،

لكن للأسف مازالت الجنازة بعيدة ، وهاهي

دموعي تجفّ على خديّ .
انتهت


 

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

الساعة الآن 10:26 AM.

أقسام المنتدى

.•. ترنيمة وتر .•. | ♠ ..| شـَدُو مُقَدّسْ .• | .•. شواطـئ لازورديـة .•. | ♠ ..| ضجة وتـر .• | ♠ ..| ترآنيم أوتارنآ .• |

♠ ..| أصداح الحق .• | ♠ ..| ثـقـافـات الـعالـم حيث تريد .• | ♠ ..| كونشورتات .• | .•. أوتَار الأدَب والشِعْر والقِصَة .•. | ♠ ..| وتـر موزون / مجدول .• | ♠ ..| كاريزما وتر .• | ♠ ..| لحن هادئ ♫ .• | ♠ ..| أهزوجـة نونْ .• | •.•.•. ع ـــآلـم حــــواء .•.•.• | ♠ ..| للجمال أناقة وحكاية وردية .• | ♠ ..| الديكورات وتأثيث المنزل .• | ♠ ..| العيادات الطبية .• | ♠ ..| الطب البديل .• | ♠ ..| ذوق ورائحة طهي وأنـاء ممتلئ .• | ♠ ..| الدايت فـود .• | .•. أوتار زاهية .•. | ♠ ..| معزوفة الضـوء .• | ♠ ..| نوتـة مٌزبرجة للتصاميم .• | ♠ ..| الـفن السـابـع .• | ♠ ..| يُوتيُوب أوتَار .• | •.•.•. أضـواء تـقـنيـة .•.•.• | ♠ ..| أسْرار تِقْنيَة البرْمجَة .• | ♠ ..| تـكـنـو أثـيـر .• | ♠ ..| حَمـامٌ زاجِـل .• | ♠ ..| لكل مشكلة حل .• | ♠ ..| أوتــار معــطوبة .• | ♠ ..| قسم ارشيف التعديلات .• | •.•.•. الأقسام الرياضية .•.•.• | ♠ ..| نقطة الهدف الرياضية .• | ♠ ..| توب جير .• | ♠ ..| إيقاع مختلف ♫ .• | ♠ ..| أفنَان المُوزايِيك .• | ♠ ..| متجر التسوق .• | ♠ ..| وَتَر مَشْدُود .• | ♠ ..| لَحن شاعِر |.. ♠ | ♠ ..| الخيْمة الرمضَانِيَة .• | ♠ ..| مَجلّة أوتار أدبِيَة .• | | ارشيف اداري .• | ♠ ..| أجَراسْ زَائِر .• | ♠ ..| أصداح وتـر .• | ♠ ..| آذان صاغية .• | ♠ ..| خلفَ الكوآليس .• | ♠ ..|ألحَـان خالِدة .•. | ♠ ..| نُوتة ألوان ~ وَ صُورَة .. | مسـرح الذائقة(للمنقول) | مزاميـر داوود♪ (أرشيف) | ♠ ..| صولة كتاب ( مكتبة الأوتار ) .• | ♠ ..| دَوراتْ فُنُون التَصامِيم .• | :: ورشة تصاميم المنتدى :: |



Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd Trans
new notificatio by 9adq_ala7sas
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010